الإفحام لأحد صعافقة الحلبي اللئام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله وصحبه ومن والاه:
فقد أعرضت ردحا من الزمن عن الاشتغال بتافه مغمور ، و جويهل مفتون لما هو عليه من فتن و شرور، ترفعا عن أن أسلك مسالك الحجاج مع من لايفهم ما يلقى ، و لايعي ما يقرر.
ولكن لما رأيته ازداد علوا و تجبرا، و غرورا و تمعلما، قررت أن أكشف له ما هو فيه من فساد عريض، و ضلال كبير.
لما رأيت هذا الغر قد غر بعض الإخوة الذين استقاموا جديدا بما يلوكه بلسانه العفن من شبهات و أباطيل.
لما رأيت هذا السفيه ما يفتؤ يجلس مجلسا -ولو مع عامي لا يعرف في العلم شيئا- يذكر الفتن الحاصلة على الساحة الدعوية، مدافعا منافحا عمن رفع ألوية التصحيح، مناديا بأعلى صوته في سوق التمييع و التضليل.
لما رأيت هذا وغيره قد أفسدوا و ما أصلحوا، كتبت هذا المقال لأوضح وأبين و أكشف ما هو فيه من عماية، و سلوك لسبل الضلال و الغواية.
وقد ارتأيت أن أناقشه في جملة من الشبه التي كررها في عدة منتديات، ومنها أس منتديات التمييع, منتدى كل المفلسين.نعم، المفلسون من العلم ، المفلسون من الأدب والأخلاق... و قائمة الإفلاس - في حقهم- طويلة.
وإلى المقصود :
قال هذا المفتون: (لا تنس يا أبا معاوية أن الحكم على الرجال اجتهادي وأنه لا يجوز امتحان الناس بالأشخاص المختلف فيهم).
وخلاصة ما يصبو إليه: الأحكام على الأشخاص اجتهادية ، وعليه لا يشنع على المخالف فيها ، وعليه لا يلزم أحد المختلِفَيْن الآخَرَ بقوله ، وعليه لا نجعل اختلافنا في غيرنا سبباً للخلاف بيننا .
النتيجة: قاعدة المعذرة و التعاون بلبوس جديد.
1- مناقشته في قاعدة: الأحكام على الأشخاص اجتهادية:
هذه القاعدة -بهذا الإطلاق- لا تصح و لا يمكن إعمالها إلا بإسقاط شعيرة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. ورب العزة يقول في كتابه الكريم: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر).و يقول : (و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) و إليك ردها:
الوجه الأول: سأسلك في هذا الوجه طريقة الإلزام. فمن القواعد المقررة عند أهل العلم: لازم الحق حق كما أن لازم الباطل باطل. فيستدل على فساد القول بفساد لوازمه كما يستدل على صحته بصحة لوازمه و هذا أمر بين واضح.
فأقول: قولكم: الأحكام على الأشخاص اجتهادية باطل بهذا الإطلاق. ووجه بطلانه أن الشخص المجمع على تعديله أو المجمع على تبديعه مندرج تحت هذا الإطلاق. وعليه لو أن شخصا أجمعت الأمة على جرحه و تبديعه. فزكاه بعض الناس فهل يقبل قوله أو لا؟ على الإطلاق -الذي في قاعدتكم- يلزم ألا تشنعوا عليه و لاتلزموه بأحكام غيره من علماء الأمة و لو أجمعوا على تضليل ذلك الرجل.
وعليه لو أن شخصا زكى الجعد بن درهم أو الجهم بن صفوان الذين أجمعت الأمة على تكفيرهما فلا يجوز الإنكار و لا التشنيع عليه.
و وجه آخر أن يقال قولكم: "الأحكام على الأشخاص" هذا يشمل الجرح و التعديل. وعليه لو أن شخصا جرح أو بدع من أجمعت الأمة على عدالته لم يجز لكم الإنكار و لا التشنيع عليه لأن الأحكام على الأشخاص اجتهادية.
وعليه لو أن شخصا طعن في صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والذين قد أجمع أهل السنة على عدالتهم لم يجز لكم الإنكار و لا التشنيع عليه.
وهذه لوازم فاسدة تدل على فساد قاعدتكم بهذا الإطلاق.
فيلزمكم -على ما سبق- أن تقيدوا هذه القاعدة بأن تقولوا -مثلا-: الأحكام على الأشخاص اجتهادية إلا فيما أجمعوا عليه. وإلا توجهت لكم الإيرادات السابقة.
و سيكون جوابكم على هذا أحد أمرين، إما الإقرار بأن الإجماع ملزِم أو لا؟ فعلى الثاني لزمكم عدم الإنكار على الرافضة في طعنهم في -صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم- كما سبق. وهذه مخالفة صارخة لمنهج أهل السنة و الجماعة في قاعدة الولاء و البراء.
وعلى الأول ، نقول: لو أن شخصا جرحه كثير من أهل العلم بالبراهين القاطعة الواضحة الجلية فهل يجوز لرجل عرف هذه البراهين أن يرد قولهم بحجة: لايلزمني. بعبارة أخرى: هل يكون جرحهم هذا المبني على هذه الحجج و البراهين ملزما لغيرهم أو لا؟ الجواب: إما أن يكون بالإقرار أو الاعتراض. وعلى الثاني نقول:
لو أن شخصا زكى قطبا بعد أن اطلع على البراهين الظاهرة في انحرافه و ضلاله لم يجز لكم الإنكار و لا التشنيع عليه لأن الأحكام على الأشخاص إذا لم يكن مجمعا عليها اجتهادية لا ينكر فيها على المخالف.
وههنا وقفة: وهو أنكم في حالة الإقرار بهذا الإلزام لزمكم أن تنكروا على حلبيكم لما كتب مقالا بعنوان "مع كلمة المفتي" أنكر على سماحة المفتي فيه ثناءه على سيد قطب -وهذا لايسوغ على قاعدتكم هذه- واعتذر له بعدم الاطلاع على ضلالاته .
ثم إنا نقول: قاعدة: الأحكام على الأشخاص اجتهادية. تشمل الجرح و التعديل ، وعليه فلو أن شخصا عدله أهل العلم بالبراهين الواضحة على سنيته و سلفيته ثم تُكُلم فيه بجرح غير مفسر أو جُرِّح بما ليس بجارح عند أهل هذا الشأن. فلا يجوز لكم الاعتراض على الجارح و التشنيع عليه لأن الأحكام على الأشخاص إذا لم يكن مجمعا عليها اجتهادية لا ينكر فيها على المخالف. وعليه لو أن شخصا تكلم في الشيخ الألباني و طعن فيه لم يجز لكم التشنيع عليه أو حتى الإنكار. لأن الشيخ الألباني على إمامته في السنة ليس تعديله محل إجماع بينهم و يكفيكم من ذلك ما كان بين الشيخ الألباني و الشيخ إسماعيل الأنصاري من ردود و كلام. بل ممن يثني عليهم الحلبي في مذهبه الجديد –كالحويني و محمد حسان- من يثني على من يرمي الشيخ الألباني بالتجهم والإرجاء. بل
إن أعضاء منتدى كل المفلسين حتى الساعة لم يبدعوا فالحا الحربي و زجوه في قائمة العلماء الذين تكلمت فيهم جماعة الربيع بغير حق. ومعلوم مشهور طعن فالح في الشيخ الألباني ورميه له -زورا وبهتانا- بالإرجاء.
بل إذا تكلم محمد إبراهيم شقرة أو أبو رحيم أو سليم الهلالي أو خالد الحايك أو مراد شكري أو حسان عبد المنان أو غيرهم في حلبيكم لم يكن لكم أن تنكروا عليه لأن عدالة الحلبي ليس مجمعا عليها عند أهل السنة -بل هو ساقط عندهم بالمرة-.
وعليه إذا تكلمنا في حلبيكم -و لو كان جرحنا غير مفسر- فإنه لا يحق لكم التشنيع علينا أو الإنكار لأن الأحكام على الأشخاص إذا لم يكن مجمعا عليها اجتهادية لا ينكر فيها على المخالف.
أما إذا كان جوابكم الإقرار لزمكم أن تضيفوا قيدا آخر لقاعدتكم فتقولوا: الأحكام على الأشخاص اجتهادية إلا إذا كانت مجمعا عليها أو كانت بالبراهين الواضحة الظاهرة الجلية فإنه يجب عليكم الانقياد إليها و العمل بها و ينكر على المخالف فيها.وهذا هو مقصودنا. وعليه نأتي إلى من اختلفنا نحن وإياكم في التحذير منهم أو تبديعهم، وننظر هل الكلام فيهم ببراهين واضحة أو لا؟.
عدنان عرعور من آخر ما قاءه الدعوة إلى وحدة الأديان مع ما هو عليه -قبل- من ضلالات و جهالات.
أبو الحسن المأربي يجيز الثوارات الشعبية السلمية، أبو الحسن الماربي يجيز إنشاء الأحزاب ، أبو الحسن المأربي يعد جماعة الهجرة و التكفير و جماعة التبليغ و جماعة الإخوان المسلمين من أهل السنة والجماعة. أبو الحسن المأربي يجيز التعامل مع الديمقراطية ، أبو الحسن الماربي يصف الصحابة بالغثائية ثم يتلون و يكذب و لا يتراجع عن ذلك.
محمد حسان يدعو إلى الثورات و يشجع الخروج في الساحات للتظاهر -مع ما يصاحب ذلك من شعارات باطلة من الدعوة إلى الديمقراطية و الحرية والمساواة- و يزكي رؤوس الضلالة كالشعراوي و محمد عبد المقصود و عبد الرحمن عبد الخالق و يرى أن الخلاف بين أهل السنة و
الشيعة خلاف فكري و أنه ينبغي إعادة النظر في كثير من المسلمات و الأصول السلفية.
أبو إسحاق الحويني يكفر المصر بالكبيرة و يصف عبد الرحمن عبد الخالق بأنه الأب الروحي للدعوة السلفية و أنه استفاد من كتبه كثيرا لا سيما في فترة السبعينات و يمجد أساطين الضلال في هذا الزمان ويطعن في أهل السنة.
بالله عليكم .هل هذه الأمور مما يسوغ فيها الخلاف أم أنها من الأمور الفارقة بين منهج السلف و سبل أهل الأهواء و البدع؟؟ !.
لعل بعض المتفيهقين - وما أكثرهم في منتدى كل المفلسين- يقول: العبرة في الإلزام و عدمه هو الإقناع لا الظهور. بصيغة أخرى: لا يلزم أحد المختلفين إلا إذا اقتنع بأدلة الطرف الآخر و لاعبرة بظهور الأدلة و وضوحها.
والجواب عن هذه السفسطة أن الشريعة تعلق الأحكام الشرعية و تربطها بالأمور الظاهرة المنضبطة و الاقتناع شيء يكون في القلب لا يمكن تعليق الأحكام به. هذا أولا.
ثانيا: أن من عقيدة أهل السنة والجماعة التلازم بين الظاهر والباطن فإذا كانت الأدلة في نفسها ظاهرة أدى ذلك إلى ظهور أثرها في القلب و هو الاقتناع بدلالتها. و العكس بالعكس.
الوجه الثاني:
لا نسلم أن الأحكام على الأشخاص اجتهادية بل هي من قبيل أخبار الثقات التي يجب قبولها و عدم ردها وقد نص على ذلك ابن القيم في "إعلام الموقعين" و الصنعاني في "توضيح الأفكار" و في "إرشاد النقاد" و غيرهم.
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في [إعلام الموقعين 2/254-255] أثناء رده على شبهات أهل التقليد:
((الوجه الستون: قولكم "وقد جاءت الشريعة بقبول قول القائف والخارص والقاسم والمقوم والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد وذلك تقليد لهم محض"؟
أتعنون به أنه تقليد لبعض العلماء في قبول أقوالهم؟
أو تقليدهم فيما يخبرون به؟
فإنْ عنيتم الأول فهو باطل.
وإن عنيتم الثاني فليس فيه ما تستروحون إليه من التقليد الذي قام الدليل على بطلانه.
وقبول قول هؤلاء من باب قبول خبر المخبر والشاهد؛ لا من باب قبول الفتيا في الدين من غير قيام دليل على صحتها؛ بل لمجرد إحسان الظن بقائلها مع تجويز الخطأ عليه.
فأين قبول الإخبار والشهادات والأقارير إلى التقليد في الفتوى؟!
والمخبر بهذه الأمور يخبر عن أمر حسي؛ طريق العلم به: إدراكه بالحواس والمشاعر الظاهرة والباطنة.
وقد أمر الله سبحانه بقول خبر المخبر به؛ إذا كان ظاهر الصدق والعدالة.
وطرد هذا ونظيره: قبول خبر المخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه قال أو فعل.
وقبول خبر المخبر عمن أخبر عنه بذلك.
وهلم جراً.
فهذا حق لا ينازع فيه أحد!.
وأما تقليد الرجل فيما يخبر به عن ظنه: فليس فيه أكثر من العلم بأنَّ ذلك ظنه واجتهاده!، فتقليدنا له في ذلك بمنزلة تقليدنا له فيما يخبر به عن رؤيته وسماعه وإدراكه.
فأين في هذا ما يوجب علينا أو يسوِّغ لنا أن نفتي بذلك، أو نحكم به وندين الله به، ونقول هذا هو الحق وما خالفه باطل، ونترك له نصوص القرآن والسنة وآثار الصحابة وأقوال من عداه من جميع أهل العلم؟!
ومن هذا الباب:
تقليد الأعمى في القبلة ودخول الوقت لغيره؛ وقد كان ابن أم مكتوم لا يؤذن حتى يقلد غيره في طلوع الفجر ويقال له: أصبحت أصبحت. وكذلك تقليد الناس للمؤذن في دخول الوقت.
وتقليد من في المطمورة لمن يعلمه بأوقات الصلاة والفطر والصوم وأمثال ذلك.
ومن ذلك:
التقليد في قبول الترجمة في الرسالة والتعريف، والتعديل والجرح؛ كل هذا من باب الأخبار؛ التي أمر الله بقبول المخبر بها إذا كان عدلاً صادقاً.
وقد أجمع الناس على قبول خبر الواحد في الهدية، وإدخال الزوجة على زوجها، وقبول خبر المرأة ذمية كانت أو مسلمة في انقطاع دم حيضها لوقته، وجواز وطئها أو نكاحها بذلك، وليس هذا تقليد في الفتيا والحكم!!.
وإذا كان تقليداً؛ لها فإنَّ الله سبحانه شرع لنا أن نقبل قولها ونقلدها فيه، ولم يشرع لنا أن نتلقى أحكامه عن غير رسوله، فضلاً عن أن نترك سنة رسوله لقول واحد من أهل العلم ونقدم قوله على قول من عداه من الأمة)).
ففي هذه العبارات من الإمام ابن القيم بيان أن الجرح و التعديل من باب الأخبار التي أمر الله بقبول المخبر بها إذا كان عدلاً صادقاً لا من باب الاجتهاد و الاستنباط .
وعلل ذلك بأن قال: (والمخبر بهذه الأمور يخبر عن أمر حسي؛ طريق العلم به: إدراكه بالحواس والمشاعر الظاهرة والباطنة.) وكذلك الجارح أو المعدل فهو يخبر عن حال من يعرفه بتتبع كلامه في مؤلفاته و أشرطته.
وقال العلامة الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه [توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار (2 / 118-119)]: ((والتزكية والجرح: من باب الأخبار؛ إذ مفاد قوله المزكي: "فلان عدل" أي: آتٍ بالواجبات تارك للمقبحات محافظ المروءة، وقوله جرحاً: "هو فاسق" لشربه الخمر مثلاً، الكل إخبار عدل، يجب قبوله لقيام الأدلة على العمل بخبر العدل، وليس تقليداً له.
كما سلف للمصنف رحمه الله نظيره في قول العدل: "هذا الحديث صحيح"، فإنه قال: إنه خبر عدل، وإنَّ قبوله ليس من التقليد، وإنْ كان ناقض نفسه في محل آخر، وقد قررنا الصحيح من كلاميه.
والحاصل: أنَّ الدليل قد قام على قبول خبر العدل؛ إما عن نفسه بأن يخبر بـ"أنه ابن فلان" أو "أنَّ هذه داره أو جاريته"، فهذا لا كلام في قبول خبره عنه بالضرورة الشرعية، بل يقبل خبر الفاسق بذلك، بل أبلغ من هذا أنه يجب قبول قول الكافر "لا إله إلا الله" ويحقن دمه وماله ونعامله معاملة أهل الإيمان؛ لإخباره بالتوحيد وإن كان معتقداً لخلافه في نفس الأمر كالمنافق.
وإن كان خبره عن غيره كروايته للأخبار قُبِلَ أيضاً، وإن كان عن صفة غيره بأنه "عدل" أو "فاسق" قبل أيضاً، إذ الكل خبر عدل، وقبول خبره ليس تقليداً له، بل لما قام عليه من الدليل في قبول خبره، هذا تقرير كلام أهل الأصول وغيرهم، ولنا فيه بحث أشرنا إليه في أوائل حاشية ضوء النهار)).
وهذ أيضا كلام صريح من الأمير الصنعاني يؤكد ما سبق نقله عن ابن القيم-رحمهم الله أجمعين-.
وقال أيضاً في المصدر السابق [1/115]: ((قول العدل: "هذا حديث صحيح" في قوة: "هذا حديث عدلت نقلته وثبت إتقانهم في الضبط وسلم الحديث من الشذوذ والعلة". والعدل إذا عدّل غيره وجب قبول خبره، وإذا شهد له بالإتقان في حفظه وجب قبول خبره أيضاً، وقد بسطنا هذا في رسالتنا المسماة "إرشاد النقاد"، بسطاً شافياً. وبيِّنا أنَّ قول العدل: "فلان عدل" عبارة إجمالية معناها: "أنه آت بالواجبات، مجتنب للمقبحات ولما فيه خسة من الصغائر، محافظ على المروءة")).
و قال -رحمه الله تعالى- في كتابه [إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد ص77]:
((رسمَ الحافظُ ابنُ حجر رحمه الله في كتابه نخبة الفكر الحديث الصحيح بأنه: ما نقله عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ، وقال: وهو الصحيح لذاته، وقريب منه رسمَ ابنُ الصلاح وزينُ الدين بأنه: ما اتصل إسناده بنقل عدل ضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة قادحة.
إذا عرفتَ هذا؛ فهذه خمسة قيود: ثلاثة وجودية، واثنان عدميان، وكلها إخبار، كأنه قال الثقة حين قال "حديث صحيح": هذا الحديث رواته عدول مأمونون الضبط متصل إسنادهم لم يخالف فيه الثقة ما رواه الناس وليس فيه أسباب خفية طرأت عليه تقدح في صحته، وحينئذ قول الثقة "صحيح" يتضمن الإخبار بهذه الجمل الخمس، وقد تقرر بالبرهان الصحيح: أنَّ الواجب أو الراجح العمل بخبر العدل والقبول له، وتقرر أنَّ قبوله ليس من التقليد لقيام الدليل على قبول خبره.
فالتصحيح مثلاً والرواية للخبر قد اتفقا أنهما إخبار إما بالدلالة المطابقية أو التضمينية أو الإلزامية، أما قبول خبره الدال بالمطابقة فلا كلام فيه كقوله: زيد قائم، أما قبول خبره الدال بالتضمن أو الالتزام فيدل على قبوله أنهم جعلوا من طرق التعديل حكم مشترط العدالة بالشهادة وعمل العالم المشترط لها رواية من لا يروي إلا عن عدل، فإنهم صرحوا في الأصول وعلوم الحديث: أنَّ هذه طرق التعديل، ومعلوم أن دلالة هذه الصورة على عدالة الراوي والشاهد التزامية.
فقول الثقة "حديث صحيح" يتضمن الإخبار بالقيود الخمسة والرواية لها، ولا يقال: إنَّ إخباره بأنه صحيح إخبار على ظنه بحصول شرائط الصحة عند ظنه؛ كما يدل له: أنه صرح زين الدين وغيره بأنَّ قول المحدثين هذا حديث صحيح فمرادهم فيما ظهر لنا عملاً بظاهر الإسناد لا أنه مقطوع بصحته في نفس الأمر، لأنا نقول: إخبار الثقة بأنَّ زيداً عدل إخبار عن ظنه بأنه آت بالواجبات مجتنب للمقبحات بحسب ما رآه من ذلك وأخبر مع جواز أنه في نفس الأمر غير مسلم، لكن هذه التجويزات لا يخاطب بها المكلف).
وقال -رحمه الله تعالى- أيضاً في المصدر السابق [ص108-115]: ((فصل: في سبب اختلاف الأقوال في الجرح والتعديل؛ أما ما أشار إليه السائل دامت إفادته من أنه قد يختلف كلام إمامين من أئمة الحديث؛ فيُضعِّف هذا حديثاً، وهذا يصحِّحه، ويرمي هذا رجلاً من الرواة بالجرح وآخر يُعدِّله؛ فهذا مما يشعر بأنَّ التصحيح ونحوه من مسائل الاجتهاد الذي اختلفت فيه الآراء؟!
فجوابه: أنَّ الأمر كذلك؛ أي: أنه قد تختلف أقوالهم، فإنه قال مالك في ابن إسحاق: "إنه دجال من الدجاجلة"، وقال فيه شعبة: "إنه أمير المؤمنين في الحديث"، وشعبة إمام لا كلام في ذلك، وإمامة مالك في الدين معلومة لا تحتاج إلى برهان؛ فهذان إمامان كبيران اختلفا في رجل واحد من رواة الأحاديث.
ويتفرع على هذا الاختلاف في صحة حديث من رواية ابن إسحاق وفي ضعفه؛ فإنه قد يجد العالم المتأخر عن زمان هذين الإمامين كلام شعبة وتوثيقه لابن إسحاق فيصحح حديثاً يكون من رواية ابن إسحاق قائلاً قد ثبتت الرواية عن إمام من أئمة الدين وهو شعبة بأنَّ ابن إسحاق حجة في روايته وهذا خبر من شعبة يجب قبوله.
وقد يجد العالم الآخر كلام مالك وقدحه في ابن اسحاق القدح الذي ليس وراءه ورواء ويرى حديثاً من رواية ابن إسحاق فيضعِّف الحديث لذلك قائلاً قد روى لي إمام وهو مالك بأن ابن إسحاق غير مرضي الرواية ولا يساوي فلساً فيجب رد خبر فيه ابن إسحاق.
فبسبب هذا الاختلاف حصل اختلاف الأئمة في التصحيح والتضعيف؛ المتفرعين عن اختلاف ما بلغهم من حال بعض الرواة، وكل ذلك راجع إلى الرواية لا إلى الدراية، فهو ناشئ عن اختلاف الأخبار، فمن صحَّح أو ضعَّف فليس عن رأي ولا استنباط كما لا يخفى؛ بل عمل بالرواية، وكل من المصحِّح والمضعِّف مجتهد عامل برواية عدل، فعرفتَ: أنَّ الاختلاف في ذلك ليس مداره على الرأي!، ولا هو من أدلة أنَّ مسألة التصحيح وضده اجتهاد.
نعم وقد يأتي من له فحولة ونقادة ودراية بحقائق الأمور وحسن وسعة إطلاع على كلام الأئمة فإنه يرجع إلى الترجيح بين التعديل والتجريح؛ فينظر في مثل هذه المسألة إلى كلام الجارح ومخرجه فيجده كلاماً خرج مخرج الغضب الذي لا يخلو عنه البشر ولا يحفظ لسانه حال حصوله إلا من عصمه الله، فإنه لما قال ابن إسحاق: "اعرضوا عليَّ علم مالك فأنا بيطاره"، فبلغ مالكاً فقال تلك الكلمة الجافية؛ التي لولا جلالة من قالها وما نرجوه من عفو الله من فلتات اللسان عند الغضب لكان القدح بها فيمن قالها أقرب إلى القدح فيمن قيلت فيه، فلما وجدناه خرج مخرج الغضب لم نره قادحاً في ابن إسحاق، فإنه خرج مخرج جزاء السيئة بالسيئة، على أنَّ ابن إسحاق لم يقدح في مالك ولا في علمه، غاية ما أفاد كلامه: أنه أعلم من مالك وأنه بيطار علومه، وليس في ذلك قدح على مالك، ونظرنا كلام شعبة في ابن إسحاق فقدمنا قوله لأنه خرج مخرج النصح للمسلمين، ليس له حامل عليه إلا ذلك.
وأما الجامد في ذهنه الأبله في نظره فإنه يقول: قد تعارض هنا الجرح والتعديل فيقدم الجرح؛ لأنَّ الجارح أولى وإنْ كثر المعدلون، وهذه القاعدة لو أخذت كلية لم يبق لنا عدل إلا الرسل، فإنه ما سلم فاضل من طاعن من ذلك لا من الخلفاء الراشدين ولا أحد من أئمة الدين.
كما قيل:
فما سلم صديق من رافض ... ولا نجا من ناصبي علي
ما سلم الله من بريته... ولا نبي الهدى فكيف أنا؟!
القاعدة ظاهرية يعمل بها فيما تعارض فيه الجرح والتعديل من المجاهيل.
على أنه لك أن تقول: كلام مالك ليس بقادح في ابن إسحاق لما علمتَ أنه خرج مخرج الغضب لا مخرج النصح للمسلمين، فلم يعارض في ابن إسحاق جرح.
واعلم أنَّ ذكرنا لابن إسحاق والكلام فيه مثال وطريق يسلك منه إلى نظائره.
وإذا عرفتَ هذا؛ فهذا الترجيح لا يخرج عما ذكرناه عن كونه من باب قبول أخبار العدول، بل هو منه، إنما لما تعارض الخبران عندنا في حال هذا الراوي تتبعنا حقائق الخبرين ومحل صدورهما والباعث على التكلم بهما، فظهر الاعتماد على أحدهما دون الآخر، فهو من باب قبول الأخبار، فهكذا يلزم الناظر البحث عن حقائق الأحوال وعن الباعث عن صدورها من أفواه الرجال، فإنه يكون كلامه بعد ذلك أقوم قيلاً وأحسن دليلاً وأوفق نظراً وأجل قدراً.
فمن عمل برواية التعديل والتزكية، ومن عمل برواية القدح والتجريح وإنْ كان الكل قابلين لأخبار العدول عاملين بما يجب عليهم من قبول خبر المنقول، فالكل مجتهدون، ولكن تخالفت الآثار وتفاوتت الأنظار، ومن هنا ونحوه وقع اختلاف المجتهدين في عدة مسائل من أمهات الدين، والكل مأجورون بالنص الثابت، منهم من له أجر ومنهم من له أجران.
ومن هنا؛ علمتَ أنَّ اختلاف الأئمة في تصحيح خبر من إمام وتضعيفه من إمام آخر ناشئ عما تلقوه من أخبار العدول عن الرواة؛ فهذا الإمام لم يبلغه عن الرواة هذا الخبر الذي حكم بصحته إلا العدالة والضبط فصحح أخبارهم، ولهذا تجد من يتعقب بعض الأحاديث التي صححها إمام بقوله: كيف تصححه وفيه فلان كذاب؟ ونحو هذا، ومعلوم أنَّ مَنْ صحح هذا الحديث لم يبلغه أنَّ في رجاله كذاباً، وهذا الإمام بلغه من أحوال رواة ذلك الخبر أو بعضهم عدم العدالة وسوء الحفظ أو انقطاع الخبر أو شذوذه حكم عليه بعدم الصحة، وهذا معروف من جبلة العباد وطبائعهم، فمن الناس مَنْ يغلب عليه حسن الظن في الناس وتلقي أقوالهم بالصدق، ومن الناس مَنْ له نباهة وفطنة وطول خبرة لأحوال الناس فلا يكتفي بالظاهر بل يفتش عن الحقائق فيقع على الحق والصواب)).
وهذا كلام متين نفيس من الإمام الصنعاني يبين فيه سبب اختلاف أئمة الجرح والتعديل وأن ذلك راجع إلى الرواية لا إلى الدراية، وأنه ناشئ عن اختلاف الأخبار و ليس مرجعه الاختلاف في الرأي و الاستنباط.
وعلى هذا الوجه نقول بأن الأحكام على الرجال ليست من قبيل الاجتهاد و الاستنباط و إنما هي من باب الأخبار التي يجب قبولها و العمل بها للأدلة المستفيضة في قبول خبر الواحد و العمل به.
تنبيه: هذه النقولات مستفادة من رسالة الأخ رائد آل طاهر "التلخيص المفحم".
وأختم هذا الوجه بكلام علمي رصين ، للعلامة الباحث -بحق-، المدقِّق، محمد بن عمر بازمول -حفظه الله- في كتابه الماتع "عبارات موهمة" حيث قال:
( ومن العبارات الموهمة : قول بعضهم: "لا أقبل الجرح فيمن أعرفه حتى أقف عليه".
هكذا يرد بعض الناس كلام العلماء في التحذير ممن تلبس ببدعة،ويدفع في صدور العلماء بعبارته هذه، مضيعاً حقوق العلماء الثقات اللازمة عليه. وسأبين بطلان هذه العبارة من خلال الوقفات التالية سائلاً الله التوفيق والهدى والرشاد والسداد:
الوقفة الأولى: اعلم -وفقني الله وإياك لمرضاته- أن كلام العلماء في التحذير من أهل البدع هو من باب الخبر لا من باب الاجتهاد، وعليه فإن الواجب قبول خبر الثقة وعدم ردّه، و لا يدفع في صدره بأن يقول القائل: لا آخذ به حتى أقف على وجود هذا الأمر في الشخص المجروح!
وعلى ذلك؛ فإن هذه العبارة تتعارض مع هذا الأصل المعروف عند أهل العلم (أعني: أن خبر الثقة مقبول).
الوقفة الثانية: قبول خبر الثقة اتباع له، و ليس من باب التقليد، والخلط بين البابين يوقع في خبط لا يليق بطالب العلم، وبيان ذلك:
أن التقليد أخذ بقول غيرك وجعله كالقلادة تحيط بعنقك يحولك إلى أي جهة، بينما الاتباع أخذ بالحجة التي أظهرها لك غيرك. وخبر الثقة أنت تتبعه ولا تتقلده.
ولأوضح لك أكثر: إذا جاءك خبر عن إمام بشأن راوي من الرواة أنه يقول بكذا وبكذا من أقوال أهل البدع، فهل أخذك بكلام هذا الإمام هو من باب التقليد أو الاتباع؟ الجواب: هو من باب الاتباع لا التقليد.
لو فرضنا أن إماماً من أئمة الجرح عدّل هذا الراوي الذي جرحه هذا الإمام، فهل يسع الإمام الذي عدّله أن يرد جرح الإمام الذي جرحه أو يلزمه قبوله؟
الجواب (حسب المقرر في علوم الحديث): يلزمه قبوله، لماذا؟ لأن الجرح المفسر مقدم على التعديل، ولا يصح أن يقال: على المعدل الذي عرف هذا الراوي بالعدالة أن يرد جرح الراوي حتى يقف هو بنفسه على هذا الجرح! لا يصح هذا لأن مع الجارح زيادة علم يجب عليه قبولها، وعلينا اتباعه فيها إذ الجرح مقدم على التعديل.
والعبارة المذكورة : "لا أقبل الجرح فيمن أعرفه حتى أقف عليه"؛ تتنافى مع هذا التقرير.
الوقفة الثالثة: متى يقبل قول المعدل ويرد قول الجرح؟
الجواب (حسب المقرر في علوم الحديث) :
يرد قول الجارح في الحالات التالية:
إذا كان جرحاً مجملاً في حق من ثبتت عدالته. أمّا من لم تثبت عدالته فإن المختار إعمال الجرح المجمل في حقه.
إذا كان مع المعدل زيادة العلم، بأن يذكر سبب الجرح الذي جرح به الراوي ويرده.
إذا كان الجارح ممن لا يعتمد قوله في الجرح والتعديل.
عليه أقول: هذه العبارة تتنافى مع تصرفات أهل العلم، إذ كيف ترد عبارة عالم ثقة معتمد في الجرح والتعديل جاء بجرح مفسر في رجل، ولم يأت المعدل بشيء يجعل معه زيادة علم؟
الوقفة الرابعة: بعض الناس يقيس حال قائل هذه العبارة بما جرى عليه ابن حبان وتلميذه الحاكم من الاستقلال في الجرح والتعديل، فيشغب ويتباكى بأن قائل هذه العبارة جرى في سبيل جرى فيه الحاكم؟
والجواب: هذا فهم لكلام الأئمة على غير وجهه، وضرب من مناحي الاستدلال غريب، وذلك أن من نظر في كلام ابن حبان والحاكم في الجرح والتعديل وجده مشحوناً بكلام الأئمة قبلهما في الجرح والتعديل، وأظنك لو طالعت أحوال الرواة الذين تكلم عليهم ابن حبان وتلميذه أبو عبد الله الحاكم لن تجد فيهم راوياً أورد في ترجمته كلاماً لإمام من الأئمة ثم هو يخالفه ولا يعتمده، بدعوى أنه لم يقف عليه بنفسه!
وهذا يدل على أن ابن حبان والحاكم رحمهما الله لم يريدا بعبارتهما تلك إلا بيان أنهما ينظران في حديث الراوي للحكم عليه في حال لم يجد للأئمة كلاما في الراوي، أو في حال وجدا ما يدفع به جرح الراوي لأن في هذه الحال الواجب اتباع من معه زيادة علم، فافهم.
الوقفة الخامسة: قائل هذه العبارة يدافع بها عن رجل عرفت ألفته وصحبته لأصحاب البدع وكشفت حاله، فلا يصح أن ينزل منزلة من ثبتت عدالته أصلاً، بل هو في أحسن الأحوال ممن لم تثبت عدالته، فهذا يعتمد في حقه الجرح المجمل على المختار، فما بالك بجرح مفسر ليس مع المعدل (أعني : هذا الذي يقول العبارة التي نرد عليها) ما يدفعه به؟!
الوقفة السادسة: تطبيق هذه العبارة: يفضي إلى أمور من الباطل لو تنبه لها هذا القائل لعله كان عدل عنها، من ذلك: يلزم منها إسقاط كلام الأئمة في الجرح والتعديل، فما يعود أحد يقبل كلامه في الجرح والتعديل، فهذا الرجل يعرفه فلان فلا يقبل فيه كلام غيره، وهذا يعرفه فلان فلا يقبل فيه كلام غيره، وهكذا يضيع علم الجرح والتعديل!
من لوازمها الباطلة إحداث خلل في قواعد العلم يفضي إلى ضرب من العبث والفوضى، مما جعل بعض العلماء يقول: تقليد منظم و لا اجتهاد أهوج.
ومن لوازمها الباطلة: الإخلال بأدب الطالب مع العلماء،وإهدار حقوقهم!
الوقفة السابعة: لماذا ترضى لنفسك أيها الأخ الوقوف في صف أهل البدع تدافع عنهم وتذب عنهم؟ أليست السنة وأهلها أولى بك وأحرى؟!).
تنبيه: قد ذكر الأخ رائد آل طاهر -وفقه الله- وجهين آخرين في الرد على هذه القاعدة و أنا أحيلكم عليه -ومن أحيل على مليء فليحتل-:
http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=121751