أفسحوا الطريق للإسلام يشرع ويحكم-للعلامة عبدالرحمن الوكيل -رحمه الله -
تكاد الجماعات الدينية في مصر أن تسيطر علىٰ الغالبية العظمىٰ من الشباب، الشباب الذي تفتحت عيناه علىٰ مصر، فرآها مثخنة بالجراح، منهوكة القوة من ذلك التطاحن السياسي الوثني القائم علىٰ تأليه الزعماء، وعبادة الشهوات، والقتال الدنيء والكيد في سبيل المناصب والدرجات والحزبية المقيتة التي أفسدت الأخلاق، وجنت علىٰ المشاعر، وقطعت ما بين القلوب من أرحام الأخوة والمودة، وفرقت بين الأخ وأخيه والولد وأبيه، لا في سبيلالله - وسبيلالله محبة وإيمان - بل في سبيل الشيطان، في سبيل الطاغوت ألبسه الوهم ثوب الزعامة، وصورته الوثنية في صورة البطل، وغلفته الأسطورة بوشي الجهاد الوطني العبقري.
وأنت إذا استبطنت ما وراء المظاهر، وأرسلت النظرة الكاشفة إلىٰ الأعماق، وجدت كل هذه الأحزاب لها منهاج واحد، وغاية واحدة تسعىٰ إليها، هما الحكم بغير كتابالله، وجعل المنصب الوزاري وقفًا علىٰ هذا الحزب أو ذاك، فما ثمت ما يفصل بين هذه الأحزاب إلا أسماؤها، وأسماء زعمائها. وكان لهذه الحزبية الجاهلية أثرها بل خطيئتها وجنايتها علىٰ نفوس المصريين. تذهب حكومة فيرجمها الشعب الساخط باللعنة، ويسوطها بالنقمة! ولماذا؟ لا يدري!! ثم يسير في موكب الحكومة الجديد صخاب الهتاف بحياتها، عربيد البشائر بعدالتها، راعد الأكف من التصفيق لها! فلماذا، وهي صنو الذاهبة؟! لا يدري! وما هي إلا لحظات ينشط فيها الذاهبون حتىٰ يهب الشعب مطالبًا بغيرها، فإذا ذهبت شيعها بما شيع به الأولىٰ، فَوار مراجل الغضب، لاعنًا إياهابنفس الشفاه التي سبحت بحمدها، هادرًا متوعدًابنفس الأكف التي أدماها التصفيق في بهرج مواكبها، ناعتًا حكمها بالجوربنفس الألسنة التي نصبت من كثرة ما بشرت بعدالتها. لماذا؟ لا يدري!! وهكذا دواليك في كل مرة!!
حتىٰ غدت القلوب دُولَةً بين المحبة والبغضاء دون أن تعلم لماذا أَحَبَّتْ، ولماذا أبغضت!! ولكن أتعلمون لماذا؟ لأن هذا الشعب المظلوم ضحية أحباره وكهانه وزعمائه، أفسدت عليه عقائده وثنية الكهان، ورماه في الفتنة أساطير الأحبار، وضل به عن قدس الحق الطواغيت الزعماء، فلا هو بدينه الحق يحفل، ولا بقيمه العليا يؤمن، ولا هو ينظر إلىٰ ما حَوالَيْه النظرة الإسلامية الصائبة المسددة، فلا يعنيه من حكومته أتقيم الدين، أم تدك قواعده!! أتحيي أمجاد الإسلام ومآثره، أم تجهز علىٰ زهرتها اليتيمة، وهي لَمَّا تَنْس دفء الأكمام!! أتعين علىٰ الدعوة إلىٰ الآخذ بشريعته، أم تكبت بطغواها حتىٰ الهمسة الحالمة، والهتفة المذعورة من سطوة الإرهاب!! فيا للجريمة النكراء التي اجترحها كهان هذا الشعب عليه وطواغيته، ويا لهذا الشعب من قتيل تحسب عليه جناية قاتله!! في حين أن القوة التدينية مستقرة في أعماق هذا الشعب، ولكنها تريد التوجيه الصحيح، وأقرب شاهد علىٰ وجود هذه القوة موقف الشعب من تلك الأشربة الأجنبية، فما إن ارتفع صوت العلماء المخلصين قواد الجماعة الدينية المخلصة ينادي بأنها خبث حتىٰ مات سلطان هذه الأشربة علىٰ النفوس. فليت القادة والعلماء يلتفتون بالعظة إلىٰ هذه العبرة، فيقودون الشعب بالدين الحق، ويعلمه الأحبار ما يكتمونه من الحق، وهو أَن لا دين إلا ما أخذ من الكتاب والسنة، وأن لا شريعة إلا شريعة الإسلام، وأن لا قانون إلا ما كان أقباسًا مضيئة من نور القرآن، وأن لا حكم يصلح العالم إلا حكم الإسلام. رأىٰ الشباب المثقف جناية الحزبية الوثنية علىٰ النفوس، فراح يتوجه إلىٰ الدين ينشد منه البلسم للجراح، والدواء للداء، والحق والنور في هذه الظلمة الساجية، وإذا بالزمام يفلت من يد الأحزاب، وإذا بها ترىٰ الجماعات الدينية توجه الأعنة، وتقود الشباب، وتكتسح الميدان، وإنا لنستبشر نفوسًا بهذا، ونكاد نلمح العاقبة - التي نسألالله أن تكون خيرًا وحقًّا - عاقبة عودة الشعب كله إلىٰ حظيرة الدين، ومحراب العبودية الخالصة لله رب العالمين وحده، والجهاد في سبيل أن يكون التشريع من هدي القرآن والسنة، وفي سبيل أن تكون كلمةالله هي العليا. ولكن علىٰ الجماعات الدينية تبعات ثقال خطيرة، وأي انحراف قليل من أية جماعة عن الحق المبين من كتابالله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم، ستكون له جنايته الخطيرة، وخطره الجاني علىٰ الإسلام والمسلمين، لتحذر هذه الجماعات أن تسلك مسالك الأحزاب. فبدل تأليه الزعماء، يؤلهون تراث الوثنية من الشيوخ والآباء، فيضعون في يد وألسنة المتربصين بالإسلام الشر، وبالجماعات الدينية الكيد، خناجر مسمومة يطعنونها بها، ومفتريات يبهتون بها الإسلام، هي أنه لا يصلح لقيادة العالم إلىٰ الخير والحق والهدىٰ والسلام والعزة، إلىٰ المثل العليا لكل القيم السماوية من الإيمان، والتشريع والنظام، ويقين الحق لو أن كل جماعة دينية توجهت وجهة الحق والهدىٰ من الكتاب والسنة، فسنكون جماعة واحدة هم «المسلمون»، وقوة تسير إعصارًا علىٰ الشرك، وتنزل صاعقة علىٰ الإلحاد والوثنية، وتحل العدل محل الظلم، والحق مكان الباطل، والتوحيد والإيمان محل الشرك والكفر، والله بالعون يمدها، وبالنصر يرعاها، والله سبحانه القدير علىٰ أن يكلأ كل جماعة دينية بالخير، وأن يوجهها وجهة الحق من دينه، فتسلك في سبيل الدعوة إلىٰالله ما سلكه رسولالله ، وأصحابه الأئمة المهتدون ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران: 64].
مجموع مقالات العلامة عبدالرحمن الوكيل -رحمه الله - ج2 ص731ط.دار سبيل المؤمنين -القاهرة
|