التَّلْخِيصُ المُفْحِمُ في بَيانِ أنَّ حُكَمَ تجْرِيحِ المُبْتَدِعَةِ الصَادِرِمِنْ أهْلِ العِلْمِ المُعْتَبَرِينَ بِالأدِلةِوالبَرَاهِينَ أمْرٌ ملزم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَنْ سار على نهجه إلى يوم الدِّين؛ أما بعد:
فإنَّ من المسائل التي خلط فيها كثير من أهل الأهواء – سواء كانوا مميعة جفاة أو حدادية غلاة – في هذا العصر مسألة "الإلزام في تجريح المبتدعة".
فذهب دعاة التمييع وأنصارهم: إلى أنَّ تجريح المبتدعة غير ملزم، فلو بدَّع أحدٌ من أهل العلم المعتبرين رجلاً بالأدلة الواضحة والبراهين القاطعة فلا يلزم أن يُبدِّعه غيره ولو اطلع على تلك الأدلة والبراهين!!، ولا يحق له أن يُلزِم الآخرين بتجريح ذلك المبتدع، إلا بشرطين: الإجماع!، أو الإقناع!، أي: إنْ أجمع أهل العلم على جرح مبتدع فيكون ملزماً على الجميع تبديعه، وإنْ اختلفوا فلا يلزم الآخرين تبديعه إلا إذا اقتنعوا!.
وأما الحدادية الغلاة فذهبوا: إلى الإلزام بجرح المبتدعة مطلقاً ولو كان الجرح من غير ذكر الأسباب الموجبة له، فضلاً عن كونها معتبرة أو غير معتبرة، وهذا مع كونهم يُبدِّعون كل مَنْ وقع في بدعة دون تفصيل، بل ويُبدِّعون مَنْ لا يبدِّع مَنْ بدَّعوه وإنْ كان ممَنْ لم يطلع على حال مَنْ بدَّعوه أو لم يعرف أسباب تبديعه.
وهذا المذهبان باطلان؛ والحق وسط بينهما.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في [إغاثة اللهفان 1/182]: ((فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخير الناس النمط الأوسط الذين ارتفعوا عن تقصير المفرِّطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين؛ وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطاً، وهي الخيار العدل، لتوسطها بين الطرفين المذمومين، والعدل: هو الوسط بين طرفي الجور والتفريط، والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف، والأوساط محمية بأطرافها، فخيار الأمور أوساطها)).
وقد كتبتُ رسالة بعنوان [إعلام الدعاة بسمات المميعة والحدادية الغلاة] وهي منشورة في الشبكة العنكبوتية؛ بينتُ فيها سمات الطائفتين، فليطالعها مَنْ شاء التفصيل.
ولما كانت البدعة سبب من أسباب جرح الرواة عند علماء الجرح والتعديل، كان لعلم الجرح والتعديل وقواعده النصيب الأكبر في تشغيب هاتين الطائفتين وتلبيساتهم، لأنَّ هذا العلم يضبط مسألة التجريح بقواعد أصلها أئمة هذا العلم، فمَنْ تمسَّك بها سَلِمَ من الإفراط والتفريط.
ولما رأى هؤلاء – المميعة أو الحدادية – أنَّ هذه القواعد تُخالِف ما هم عليه من تأصيلات ومواقف، لهذا أقدموا على هذه القواعد: بالتعطيل تارة، وبالتشكيك تارة، وبإحداث قيود أو شروط أو فوارق أو أصول محدثة في هذا العلم تارة أخرى.
من ذلك: أنهم قالوا أنَّ علم الجرح والتعديل لا يوجد في أدلة الكتاب والسنة!، وقالوا: علم الجرح والتعديل انقطع في هذا الزمان!، وقالوا: الجرح والتعديل وجهته المرويات!، وقالوا: موضوع الجرح والتعديل المعاصر ليس له علاقة بموضوع الجرح والتعديل الماضي!، وفرَّق بعضهم بين جرح الرواة وجرح المبتدعة من حيث لزوم ذكر أسباب الجرح!، فزعموا أنَّ جرح الرواة يلزم فيه ذكر أسباب الجرح، أما جرح المبتدعة فلا يلزم، وقال بعضهم: أنَّ علم الجرح والتعديل المعاصر مرتبط بالبدع لا بالرواية!، وقال آخر: ينبغي التفريق بين عالم حديث وعالم عقيدة!؛ فعالم الحديث أعلم بعلم الجرح والتعديل المرتبط بالرواية، وعالم العقيدة أعلم بعلم الجرح والتعديل المرتبط بالبدع، وفرَّق آخر بين الإمامة في السنة والإمامة في الحديث!، وأنَّ الواجب أخذ قواعد المنهج والتعامل مع المخالف من أئمة السنة لا من أئمة الحديث، وقال آخر: أنَّ موضوع الجرح والتعديل خاص لأهل العلم، وعامة طلبة العلم ليس لهم علاقة بالجرح والتعديل!، وزعم أنَّ موقف عامة الطلبة إذا أجمع أهل العلم على تبديع واحد لا يسعهم أن يخالفوا؛ لكن بشرط إذا أجمعوا!؛ وذلك بدعوى أنه لا يُترك الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه، وهذا يعني أنه في حال الخلاف لا إلزام بالجرح، بل صرح بعضهم قال: لا إلزام بالجرح المفسَّر المعتبر ولو كان بالأدلة الصريحة والبراهين القاطعة!!، وإنما شرط الإلزام هو الإقناع!، وأغلق بعضهم باب الجرح تماماً فقال: نصحح ولا نجرِّح!، أو نحذِّر من الأخطاء ولا نتعرض للأشخاص!، ومنهم مَنْ يشكك في قاعدة وجوب قبول خبر الثقة!، فزعم أنَّ خبر الثقة قد يقبل وقد لا يقبل، ومنهم مَنْ فرَّق بين خبر الثقة وبين حكم الثقة!، أو بين خبر الثقة وجرح الثقة، أو بين خبر الثقة في المسائل الشرعية وخبر الثقة في قضايا الأعيان، ومنهم مَنْ يزعم أنَّ كلام علماء الجرح والتعديل من قبيل الأحكام المبنية على الرأي والاستنباط!، فأحكامهم في الرواة جرحاً وتعديلاً ولو كان مفسَّراً فلا إلزام فيه على المخالف لهم، وصرَّح بعضهم: أنَّ الخلاف في الحكم على الرجال كخلاف الفقهاء في المسائل الاجتهادية؛ فلا إنكار ولا تشنيع، بل الأمر واسع.
أقول:
والذي يظهر أنَّ هؤلاء منهم مَنْ يحاولون إيقاف العمل بباب الجرح كلياً، من قبيل تطبيق قاعدة "ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه"، ومنهم مَنْ يحاول تعطيل أثره والإلزام به، ليبقى الأمر على الخيار!، من قبيل قاعدة: "لا نجعل خلافنا في مبتدع أو سني وقع في بدعة سبباً للخلاف فيما بيننا"، وهذه المحاولات يسعى إليها دعاة التمييع المعاصر بعد أن طالهم الجرح أو خشية أن يطولهم، وقد أشار إلى ذلك العلامة الشيخ مقبل رحمه الله تعالى في أثناء رده على عبد الله الأهدل الذي كان يقول: ((ليس عند السلفيين في منهجهم تعديل!, بل في منهجهم الجرح فقط))!، فردَّ عليه الشيخ مقبل رحمه الله تعالى في كتابه [فضائح ونصائح /ص144-147/ دار الحرمين بالقاهرة] قائلاً: ((مسألة الجرح قصمت ظهورهم, وكل واحد حتى وإنْ لم نجرحه فهو متوقع أن نجرحه اليوم أو غداً أو بعد غد!. في الصحيحين عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك"، ورب العزة يقول في كتابه الكريم: "لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ".
فهل معنى الجرح والتعديل مقصور على القرن الثالث وما بعده يكون حراماً؟!
فأين دليلك؟ والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
والجرح له أصل أصيل في الكتاب والسنة, فموسى يقول لصاحبه: "إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ"، ورب العزة يقول في كتابه الكريم: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ. وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث", فلما لم يقل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الآية حدها إلى القرن الثالث!, وما بعد القرن الثالث مثله كمثل الذي ألف كتاباً بعنوان: [أشد الجهاد في إبطال الاجتهاد], فما بقي اجتهاد بعد أصحاب المذاهب الأربعة, وفضل الله واسع ولا ينبغي أن ينكر.
والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول لمعاذ: "أفتان أنت يا معاذ؟" ويقول لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية".
فنحن إذا تركنا عبدالله بن فيصل الأهدل يسرح ويمرح وهو حرب على طلبة العلم المتمسكين بالسنة, فيا عبدالله بجانبك الصوفية يدعون غير الله, وهناك قوانين وضعية في اليمن وغيرها, وهناك جهل قد عم وطم:
بو بكر بن سالم يا بخت من زاره ..... ذي ما معه برهان ما عاشت أخباره
فلماذا لا تبدأ بتلك القباب المشيدة على القبور؟ والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر علي بن أبي طالب ألا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه ولا صورة إلا طمسها, أم الأقدم محاربة أهل السنة.
ولماذا لا تبدأ بالمساجد المشيدة على القبور أيضاً؟ والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد, ألا فلا تتخذوا القبور مساجد, فإني أنهاكم عن ذلك".
معناه: أننا لا نجرح الصوفية!، ولا نجرح الشيعة!، ولا نجرح الشيوعية والبعثيين والناصريين!، ولا مبتدعاً!.
ومن فضل الله عليَّ - وعلى رغم أنفك - كان جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده يلقباني بمجدد العصر؛ وبعد أن خرجت أشرطة أبي عبدالرحمن - والفضل في هذا لله - وكتب مثل (منهج المدرسة العقلية في التفسير) و (دعوة جمال الدين الأفغاني في ميزان الإسلام).
لكن مسألة الأشرطة يأتي غير واحد ويقول: هؤلاء دخلوا في الماسونية من أجل أن يعرفوها, وهما من العلماء الأجلاء, ولا تتكلم فيهما، ولا محمد الغزالي, فإذا تكلمتَ في محمد الغزالي فتكلَّم في كتبه، ولا تتكلَّم في شخصيته!!.
فقلتُ: سأتكلم في شخصيته قبل هذا, لأنَّ كتبه قد أصبحت كالمجلات, كل أسبوع وهو يخرج لنا كتاباً, فليس عندي وقت كلما أخرج كتاباً أتكلم عليه!, محمد الغزالي مجدد أو داعية كبير ولكن إلى الضلال!.
وأنا أخشى يا عبدالله أن تكون صوفياً مدسوساً في صفوف السلفية, فكلامك ليس كلام رجل يخاف الله سبحانه وتعالى، ويعلم أنه محسوب عليه, فعليك أن تتوب إلى الله سبحانه وتعالى.
أما "مسألة الجرح والتعديل"؛ فأنت عندنا من المجروحين, ولا يصح أن يحضر دروسك أحدٌ، فقد أصبحت حرباً على السنة وعلى أهل السنة, وأشكر لإخواني في الله, وأسأل الله أن يبارك فيهم, فقد قالوا: إنه كان هناك عقد نكاح ورأى المسجد مملوءاً فأراد أن يغتنم الفرصة فصعد المنبر!, فذهب جميع الإخوان من بين يديه, ولم يبق معه إلا ثلاثة أو أربعة، فأقول: إنَّ الذي يجلس عند هؤلاء المحاربين للسنة يعتبر مكثراً لسوادهم ومعيناً لهم.
والمعتزلة قبلك يتألمون من مسألة الجرح والمبتدعة كذلك!!, حتى قال بكر بن حماد وليس بمبتدع:
ولابن معين في الرجال مقالة.....سيسأل عنها والمليك شهيد
فإن يك حقاً فهي في الحكم غيبة.....وإن يك زوراً فالحساب شديد
وأنا أسألك عن قول الذهبي - لأنه بعد القرون المفضلة - حين قال: "رتن، وما رتن؟ دجال من الدجاجلة، ادَّعى الصحبة بعد ستمائة عام", فهل تجاوز الإمام الذهبي ما ليس له؟, أم قال كلمة حق؟
وهكذا ما زال العلماء يحذِّرون من المبتدعة ومن أهل البدع, ولله در الإمام أحمد حيث يقول: "الرد على أهل البدع أفضل من الجهاد في سبيل الله", فالرد على مثلك وأمثالك نراها من أفضل القربات، وستحترق كما احترق أحمد المعلم، وعبدالمجيد الريمي، ومحمد المهدي، وعقيل المقطري)) انتهى كلام الشيخ مقبل.
أقول:
هذا حال المميعة الجفاة.
وأما الحدادية الغلاة فيسعون إلى فتح باب الجرح على مصراعيه لمَنْ هبَّ ودبَّ؛ لا فرق بين أهل العلم المعتبرين وبين الجهلة المقلِّدين، أو من غير التزام بالقواعد والضوابط التي وضعها علماء الجرح والتعديل في هذا الباب.
ومن هنا نلاحظ أنه من الأهمية بمكان أن نذكر كلمة في تعريف علم الجرح والتعديل وبيان نشأته وغايته وذكر أدلة مشروعيته وأهميته، قبل الشروع في ذكر وجوه الإلزام في جرح المبتدعة.
فأقول:
إنَّ أقدم تعريف اصطلاحي لعلم الجرح والتعديل هو ما ذكره الإمام ابن أبي حاتم الرازي رحمه الله تعالى؛ فقد أخرج الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في [الكفاية/38] بسنده إلى محمد بن الفضل العباس قال: ((كنا عند عبد الرحمن بن أبي حاتم وهو يقرأ علينا كتاب الجرح والتعديل، فدخل عليه يوسف بن الحسين الرازي فقال: يا أبا محمد ما هذا الذي تقرؤه على الناس؟ قال: كتاب صنَّفته في الجرح والتعديل، قال: وما الجرح والتعديل؟ قال: أُظهِرُ أحوالَ أهلِ العلمِ مَنْ كان منهم ثقةٌ أو غيرُ ثقةٍ)).
وقال العلامة صديق حسن القنوجي رحمه الله تعالى في كتابه [أبجد العلوم 2/211]: ((علم الجرح والتعديل: علمٌ يبحث فيه عن جرح الرواة وتعديلهم بألفاظ مخصوصة، وعن مراتب تلك الألفاظ؛ وهو فرع من فروع علم رجال الحديث)).
وأما نشأة علم الجرح التعديل: فقد نشأ هذا العلم في زمن مبكر من ظهور الإسلام والقرآن ينزل، فقد تكلَّم الله تعالى في الكفار والمنافقين وبعض ضعاف الإيمان في عدة آيات من كتابه العزيز، تكلَّم في أشخاصهم جملة وتعييناً، وتكلَّم على أعمالهم وأقوالهم وحذَّر منها، وعدَّل جل في علاه رسله والصالحين من الناس والصحابة الأخيار وأهل الإيمان والرضوان في عدة آيات أخر.
وقد قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ))، وقال تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى))، وقال تعالى: ((وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ))، وقال تعالى: ((يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ))، وقال تعالى: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)).
ففي الآية الأولى الأمر بالتثبت في خبر الفاسق؛ وقد أوجب الله تعالى على المسلمين التوقف في قبول خبره حتى يتبين صدقه من كذبه؛ وهذا لا يتم إلا بدراسة حياته وأحواله والكلام فيه، وهذا هو علم الجرح والتعديل.
ويفهم منها بمفهوم المخالفة: عدم التثبت في خبر الثقة؛ بل يجب قبول خبره ما لم يتبين خلافه بالأدلة العلمية والقرائن الصحيحة.
وكذلك يفهم منها: التوقف في خبر المجهول؛ لأننا لا ندري أثقة هو أم فاسق؟!.
وأما آيات الشهادة؛ فيطلب الله تعالى العدل والرضى في الشهود، والأخبار التي تنقل عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم تدخل فيها دخولاً أولياً، لأنَّ طلب الرضى والعدل في الخبر المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو دين للأمة وتشريع لها؛ أولى من أن يطلب ذلك في الشهادة في الأحكام.
وأما الآية الأخيرة؛ فينهى الله تعالى فيها عن قبول خبر الفاسق، ومن هنا يتبين أنَّ المجروحين ليسوا سواء، فمن الفسقة مَنْ يُرد حديثه، ومنهم مَنْ يُتثبَّت في حديثه، ذلك لأنَّ منهم المتأول المخطئ ومنهم المفرِّط غير المتأول.
وعلى هذا فقد أشارت الآيات إلى إجراء عملية الجرح والتعديل في حق نقلة الأخبار؛ حتى يصنفوا بعد تلك العملية إلى: عدول، ومجروحين، ومجاهيل؛ وهذا لا يمكن إلا عن طريق دراسة أخبار النقلة ومعرفة أحوالهم معرفة تامة.
وأما في السنة النبوية؛ فقد جرح صلى الله عليه وسلم وعدَّل أناس كثيرين تعميماً وتعييناً، فجرَّح صلى الله عليه وسلم الفرق الثنتين والسبعين الضالة، وقوماً تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، ودعاة من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا لكنهم على أبواب جهنم، وحكاماً ظلمة، وأئمة مضلين، وكل منافق عليم اللسان، والقدرية وأنهم مجوس هذه الأمة، ووصف الخوارج بأنهم كلاب أهل النار، وجرح المنافقين والفسقة من أهل الكبائر، وعدَّل صلى الله عليه وسلم صحابته الأبرار وأثنى عليهم جملة وأثنى على كثير من أعيانهم تصريحاً، وعدَّل أهل العلم ورثة الأنبياء، وأثنى على الأئمة والخلفاء العدول، وأثنى على أهل الصلاح والخير والعدل إلى قيام الساعة على مختلف أصنافهم وأعمالهم، وجرَّح صلى الله عليه وسلم رأس الخوارج في زمانه وأمر بقتال أتباعه إلى يوم الدِّين فقال: ((يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود))، وعدَّل أويساً القرني فقال: ((خير التابعين رجل من قرن يقال له أويس))، وأثنى على المهدي الذي يخرج آخر الزمان ووصفه بالعدل والصلاح، وقال لفاطمة بنت قيس عندما خطبها أبو جهم ومعاوية: ((أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، أنكحي أسامة))، وفي حديث أخر قال في أحد المنافقين: ((بئس أخو العشيرة))، ووثق صلى الله عليه وسلم ابن أم مكثوم حينما أمر فاطمة بنت قيس أ تعتد في بيته فقال: ((اعتدي في بيت ابن أم مكثوم؛ فانه رجل أعمى تضعين ثيابك))، وقال: ((جعيل خير من ملء الأرض من فلان)).
بل أمر صلى الله عليه وسلم بمعاملة الناس بحسب مراتبهم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ننزل الناس منازلهم))، وفي هذا تأسيس لمبدأ مراتب الرواة جرحاً وتعديلاً؛ والحكم على رواياتهم قبولاً ورداً.
بل وحمَّل صلى الله عليه وسلم أهل العلم أمانة عظيمة فقال: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله: ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين))، وفي هذا دليل على أنَّ أهل العلم أمناء ويجب عليهم أن يكشفوا للأمة الجاهلين والمبطلين والغالين.
وأسس صلى الله عليه وسلم مبدأ النقد نصحاً فقال: ((الدين النصيحة)) ثلاثاً، فلما سُئل لمَنْ؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)).
وكما أنَّ آيات الشهادة جعلت مدار قبولها العدالة، كذلك نبَّه صلى الله عليه وسلم إلى محل آخر لا بد أن يراعى في نقلة الأخبار؛ فقال: ((نضر الله امرءاً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه؛ فرب مبلَّغ أوعى من سامع))، وفي ذلك تأسيس إلى أنَّ محل النظر في أحوال الراوي مداره: العدالة والضبط، بل وفيه إشارة إلى التفريق بين الرواية والدراية.
وكما أنَّ الكتاب والسنة دلتا على مشروعية الجرح والتعديل؛ كذلك دلَّ الإجماع وعمل السلف:
فقد ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه [رياض الصالحين] المواضع التي تجوز فيها الغيبة، وقال: ((منها: جرح المجرحين من الرواة والشهود والمصنفين؛ وذلك جائز بالإجماع، بل واجب صوناً للشريعة))، وقال: ((ومنها: إذا رأيتَ متفقهاً يتردد إلى فاسق أو مبتدع يأخذ عنه علماً وخفت عليه ضرره؛ فعليك نصيحته ببيان حاله قاصداً النصيحة)).
وقال رحمه الله تعالى في شرحه على صحيح مسلم: ((اعلم أنَّ جرح الرواة جائز، بل هو واجب بالاتفاق للضرورة الداعية إليه، لصيانة الشريعة المكرمة، وليس هو من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يزل فضلاء الأمة وأخيارهم وأهل الورع منهم يفعلون ذلك)).
وقال العلامة ابن رجب رحمه الله تعالى في أول رسالته [الفرق بين النصيحة والتعيير]: ((اعلم أنَّ ذِكر الإنسان بما يكره محرم إذا كان المقصود منه مجرد الذمِّ والعيب والنقص. فأما إنْ كان فيه مصلحة لعامة المسلمين خاصة لبعضهم وكان المقصود منه تحصيل تلك المصلحة فليس بمحرم بل مندوب إليه.
وقد قرر علماء الحديث هذا في كتبهم في الجرح والتعديل، وذكروا الفرق بين جرح الرواة وبين الغيبة، وردُّوا على من سوَّى بينهما من المتعبدين وغيرهم ممن لا يتسع علمه.
ولا فرق بين الطعن في رواة حفَّاظ الحديث ولا التمييز بين من تقبل روايته منهم ومن لا تقبل، وبين تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة وتأوَّلَ شيئاً منها على غير تأويله وتمسك بما لا يتمسك به، ليُحذِّر من الاقتداء به فيما أخطأ فيه، وقد أجمع العلماء على جواز ذلك أيضاً.
ولهذا نجد في كتبهم المصنفة في أنواع العلوم الشرعية من التفسير وشروح الحديث والفقه واختلاف العلماء وغير ذلك ممتلئة بالمناظرات وردِّ أقوال من تُضَعَّفُ أقواله من أئمة السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
ولم يترك ذلك أحد من أهل العلم ولا ادعى فيه طعناً على من ردَّ عليه قولَه ولا ذمَّاً ولا نقصاً؛ اللهم إلا أن يكون المصنِّف ممن يُفحش في الكلام ويُسيءُ الأدب في العبارة، فيُنكَر عليه فحاشته وإساءته دون أصل ردِّه ومخالفته، إقامةً للحجج الشرعية والأدلة المعتبرة.
وسبب ذلك أنَّ علماء الدين كلُّهم مجمعون على قصد إظهار الحق الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولأن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمته هي العليا، وكلُّهم معترفون بأن الإحاطة بالعلم كله من غير شذوذ شيء منه ليس هو مرتبة أحد منهم ولا ادعاه أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين، فلهذا كان أئمة السلف المجمع على علمهم وفضلهم يقبلون الحق ممن أورده عليهم وإن كان صغيراً، ويوصون أصحابهم وأتباعهم بقبول الحق إذا ظهر في غير قولهم)).
وقال بعدها: ((فحينئذٍ فرد المقالات الضعيفة وتبيين الحق في خلافها بالأدلة الشرعية ليس هو مما يكرهه أولئك العلماء بل مما يحبونه ويمدحون فاعله ويثنون عليه؛ فلا يكون داخلاً في الغيبة بالكلية.
فلو فرض أنَّ أحداً يكره إظهار خطئه المخالف للحق فلا عبرة بكراهته لذلك، فإنَّ كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفاً لقول الرجل ليس من الخصال المحمودة، بل الواجب على المسلم أن يحب ظهور الحق ومعرفة المسلمين له سواءٌ كان ذلك في موافقته أو مخالفته، وهذا من النصيحة لله ولكتابه ورسوله ودينه وأئمة المسلمين وعامتهم وذلك هو الدين كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما بيان خطأ مَنْ أخطأ من العلماء قبله إذا تأدب في الخطاب وأحسن في الرد والجواب؛ فلا حرج عليه ولا لوم يتوجه إليه، وإن صدر منه الاغترار بمقالته فلا حرج عليه، وقد كان بعض السلف إذا بلغه قول ينكره على قائله يقول: "كذب فلان"، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كذب أبو السنابل" لما بلغه أنه أفتى أنَّ المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً لا تحل بوضع الحمل حتى يمضى عليها أربعة أشهر وعشر.
وقد بالغ الأئمة الوَرِعون في إنكار مقالات ضعيفة لبعض العلماء وردِّها أبلغ الردِّ كما كان الإمام أحمد ينكر على أبي ثور وغيره مقالات ضعيفة تفردوا بها، ويبالغ في ردها عليهم)).
وقال أخيراً: ((فأما أهل البدع والضلالة ومَنْ تشبَّه بالعلماء وليس منهم: فيجوز بيان جهلهم، وإظهار عيوبهم، تحذيراً من الاقتداء بهم)).
وأما عمل السلف؛ فأمره مشهور لا يحتاج إلى ذكر أمثلة عليه، ومصنَّفات أئمة هذا العلم في الجرح والتعديل والثقات والضعفاء والمجروحين والمدلسين معلومة، وقد قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في العلل في آخر كتاب السنن: ((وقد عاب بعض مَنْ لا يفهم على أهل الحديث الكلام في الرجال، وقد وجدنا غير واحد من الأئمة من التابعين قد تكلَّموا في الرجال، منهم: الحسن البصري، وطاووس تكلَّما في معبد الجهني، وتكلَّم سعيد بن جبير في طلق بن حبيب، وتكلَّم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي فى الحارث الأعور، وهكذا روى عن أيوب السختياني وعبد الله بن عون وسليمان التيمي وشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وعبد الله بن المبارك ويحيى بن سعيد القطان ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أهل العلم أنهم تكلموا في الرجال وضعَّفوا.
وإنما حملهم على ذلك عندنا والله أعلم النصيحة للمسلمين، لا يظن بهم أنهم أرادوا الطعن على الناس، أو الغيبة، إنما أرادوا عندنا أن يبينوا ضعف هؤلاء لكي يُعرفوا، لأنَّ بعض الذين ضُعِّفوا كان صاحب بدعة، وبعضهم كان متهماً في الحديث، وبعضهم كانوا أصحاب غفلة وكثرة خطأ، فأراد هؤلاء الأئمة أن يبينوا أحوالهم شفقة على الدين وتثبتاً، لأنَّ الشهادة في الدين أحق أن يتثبت فيها من الشهادة في الحقوق والأموال)).
وعلَّق العلامة ابن رجب رحمه الله تعالى على هذا الكلام في شرحه لعلل الترمذي فقال: ((مقصود الترمذي رحمه الله أن يبين أنَّ الكلام في الجرح والتعديل جائز، قد أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، لما فيه من تمييز ما يجب قبوله من السنن مما لا يجوز قبوله)).
قلتُ:
وقد تصدَّى لهذا العلم جمع من الأئمة، وبرزوا في ذلك حتى كأنهم خُلِقوا له، منهم: شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيين، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وغيرهم من الأئمة.
قال الإمام أبو حاتم بن حبان رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه [المجروحين ص 21]: ((فهؤلاء الأئمة المسلمون، وأهل الورع في الدين، أباحوا القدح في المحدثين، وبينوا الضعفاء والمتروكين، وبينوا أنَّ السكوت عنه ليس مما يحل، وأنَّ إبداءه أفضل من الإغضاء عنه، وقدمهم فيه أئمة قبلهم، ذكروا بعضه، وحثوا على أخذ العلم من أهله)).
وقال الحافظ العراقي في كتابه [فتح المغيث 3/ 314]: ((واعِنْ بعلم الجرح والتعديل.... فإنه المرقاة للتفضيل، بين الصحيح والسقيم واحذر.... من غرض بالجرح أي خطر.
وكانت جماعة أهل الحديث عليهم رحمة الله، وعلى رأسهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتباعهم، أحق بهذا الأمر، فشمَّروا عن ساعد الجد، وآثروا قطع المفاوز في طلب السنن والآثار، كما تصدَّى هؤلاء لمعرفة الثقات والضعفاء في كل عصر حسب الحاجة إليها، فعدَّلوا وجرَّحوا ووثقوا، وأعطوا كل ذي حق حقه، وأنزلوا كلاً منزلته من غير مبالاة بشيء، ولا محاباة أحد، حتى لم يراعوا في هذا السبيل أباً ولا ابناً ولا رحماً وقريباً، ولا صديقاً وقريناً، وكتبوا القواعد في معرفة المقبول والمردود من الرواة والمرويات، ثم أفردوا التأليف في الجرح والتعديل، وكتابة تواريخ الرواة، ونقدوا الرجال في يقظة وعلم)).
أقول:
وكان كثير من المتعبِّدة يزعمون أنَّ الجرح لا يخرج عن الغيبة أو البهتان، وأنَّ الجارح لا ينجو من الحساب يوم القيامة؛ وكان أهل العلم يردُّون عليهم ذلك، ومن ذلك قول الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في [الكفاية ص54-56]: ((وليس الأمر على ما ذهبوا إليه؛ لأنَّ أهل العلم أجمعوا على أنَّ الخبر لا يجب قبوله إلا من العاقل الصدوق المأمون على ما يخبر به، وفي ذلك دليل على جواز الجرح لمن لم يكن صدوقاً في روايته)).
وقال العلامة ابن رجب رحمه الله تعالى في [شرح علل الترمذي 1/121]: ((وقد ظنَّ بعضُ مَنْ لا علم عنده أنَّ ذلك من باب الغيبة، وليس كذلك، فإنَّ ذكر عيب الرجل إذا كان فيه مصلحة ولو كانت خاصة كالقدح في شهادة شاهد الزور جائز بغير نزاع، فما كان فيه مصلحة عامة للمسلمين أولى))، ثم ذكر لبرهان ذلك عدة آثار عن أئمة هذا العلم.
ومما يدل على أهمية علم الجرح والتعديل ومكانته في الدين ووجوب معرفته ودراسته: أنَّ الحاجة ماسة جداً له للحكم على رجال الإسناد، وبالتالي لمعرفة مرتبة الحديث من حيث القبول والرد، لأنه لا يمكن أبداً دراسة الإسناد إلا بعد معرفة قواعد الجرح والتعديل التي اعتمدها أئمة هذا الفن، ومعرفة شروط الراوي المقبول، وكيفية ثبوت عدالته وضبطه، وما إلى ذلك من الأمور المتعلقة بهذه المباحث، لأنه لا يتصور أن يصل الباحث في الإسناد إلى نتيجة ما مهما قرأ في كتب التراجم عن رواة هذا الإسناد، إذا لم يكن عارفاً من قبل قواعد الجرح والتعديل، ومعنى ألفاظهما في اصطلاح أهل هذا الفن، ومراتب هذه الألفاظ من أعلى مراتب التعديل إلى أدنى مراتب الجرح.
يقول الإمام أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى في كتابه (الضعفاء): ((فلما وجب طاعته ومتابعته صلى الله عليه وسلم لزم كل عاقل ومخاطب الاجتهاد في التمييز بين صحيح أخباره وسقيم آثاره، وأن يبذل مجهوده في معرفة ذلك، واقتباس سنته وشريعته من الطريق المرضية والأئمة المهدية، وكان الوصول إلى ذلك متعذراً إلا بمعرفة الرواة والفحص عن أحوالهم وأديانهم، والبحث والكشف عن صدقهم وكذبهم وإتقانهم وضبطهم وضعفهم ودهائهم وخطئهم)).
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في [الجامع لأخلاق الراوي 2/200]: ((لما كان أكثر الأحكام لا سبيل إلى معرفته إلا من جهة النقل لزم النظر في حال الناقلين، والبحث عن عدالة الراوين، فمن ثبتت عدالته جازت روايته، وإلا عدل عنه والتمس معرفة الحكم من جهة غيره؛ لأنَّ الأخبار حكمها حكم الشهادات في أنها لا تقبل إلا عن الثقات)).
ونقل الحافظ الرامهرمزي رحمه الله تعالى في [المحدث الفاصل ص320] عن علي بن المديني رحمه الله تعالى أنه قال: ((التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم)).
وقال ابن أبي حاتم الرازي رحمه الله تعالى في [الجرح والتعديل 1/2-3]: ((فإن قيل: كيف السبيل إلى معرفة ما ذكر من معاني كتاب الله عز وجل ومعالم دينه؟ قيل: بالآثار الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه النجباء الألباء الذين شهدوا التنزيل وعرفوا التأويل رضي الله عنه. فإنْ قيل: بم تعرف الآثار الصحيحة والسقيمة؟ قيل: بنقد العلماء الجهابذة الذين خصهم الله بهذه الفضيلة ورزقهم هذه المعرفة في كل دهر وزمان. حدثنا أبو محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي أخبرنا أبي قال: أخبرني عبدة بن سليمان المروزي قال: قيل لابن مبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟!! قال: يعيش لها الجهابذة)).
وقال في ص6: ((فلما لم نجد سبيلاً إلى معرفة شيء من معاني كتاب الله ولا من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من جهة النقل والرواية؛ وجب أن نميز بين عدول الناقلة والرواة وثقاتهم وأهل الحفظ والثبت والإتقان منهم، وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب واختراع الأحاديث الكاذبة.
ولما كان الدين هو الذي جاءنا عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم بنقل الرواة؛ حق علينا معرفتهم، ووجب الفحص عن الناقلة، والبحث عن أحوالهم، واثبات الذين عرفناهم بشرائط العدالة والثبت في الرواية، مما يقتضيه حكم العدالة في نقل الحديث وروايته، بأن يكونوا أمناء في أنفسهم، علماء بدينهم، أهل ورع وتقوى وحفظ للحديث وإتقان به وتثبت فيه، وان يكونوا أهل تمييز وتحصيل، لا يشوبهم كثير من الغفلات، ولا تغلب عليهم الأوهام فيما قد حفظوه ووعوه، ولا يشبه عليهم بالاغلوطات.
وان يعزل عنهم الذين جرحهم أهل العدالة، وكشفوا لنا عن عوراتهم في كذبهم، وما كان يعتريهم من غالب الغفلة وسوء الحفظ وكثرة لغلط والسهو والاشتباه، ليعرف به أدلة هذا الدين وأعلامه وأمناء الله في أرضه على كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم هؤلاء أهل العدالة، فيتمسك بالذي رووه، ويعتمد عليه، ويحكم به، وتجرى أمور الدين عليه، وليعرف أهل الكذب تخرصاً، وأهل الكذب وهماً، وأهل الغفلة والنسيان والغلط ورداءة الحفظ، فيكشف عن حالهم، وينبأ عن الوجوه التي كان مجرى روايتهم عليها، إنْ كذب فكذب، وإنْ وهم فوهم، وإنْ غلط فغلط، وهؤلاء هم أهل الجرح، فيسقط حديث من وجب منهم أن يسقط حديثه، ولا يعبأ به، ولا يعمل عليه، ويكتب حديث من وجب كتب حديثه منهم على معنى الاعتبار، ومن حديث بعضهم الآداب الجميلة والمواعظ الحسنة والرقائق والترغيب والترهيب هذا أو نحوه)).
وقال الحافظ أبو الوليد الباجي رحمه الله تعالى [التعديل والتجريح 1/282]: ((وإنما يجوز للمجرِّح أن يذكر المجرَّحَ بما فيه مما يرد حديثه؛ لما في ذلك من الذب عن الحديث، وكذلك ذو البدعة يذكر ببدعته لئلا تغتر به الناس؛ حفظاً للشريعة وذباً عنها)).
وقال الحافظ السيوطي في [تدريب الراوي]: ((وجُوِّز الجرح والتعديل صيانة للشريعة)).
أقول:
ولما كانت معرفة معاني الآيات والأحاديث وما يترتب عليها من اعتقادات وأحكام واجبة، كانت صيانتها واجبة، ثم لا يمكن صيانتها إلا بالنظر الدقيق في أحوال الرجال والتمييز بينهم، ولهذا كان تعلم هذا العلم واجباً أيضاً؛ وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقد قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في [الكفاية في علم الرواية ص35] باب "وجوب البحث والسؤال للكشف عن الأمور والأحوال": ((أجمع أهل العلم على أنه لا يقبل إلا خبر العدل كما أنه لا تقبل إلا شهادة العدل، ولما ثبت ذلك: وجب متى لم تعرف عدالة المخبر والشاهد أن يسأل عنهما أو يستخبر عن أحوالهما أهل المعرفة بهما، إذ لا سبيل إلى العلم بما هما عليه إلا بالرجوع إلى قول من كان بهما عارفاً في تزكيتهما فدل على أنه لابد منه ...، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنَّ في أمته ممن يجيء بعده كذَّابين، فحذَّر منهم، ونهى عن قبول رواياتهم، وأعلمنا أنَّ الكذب عليه ليس كالكذب على غيره، فوجب بذلك النظر في أحوال المحدثين والتفتيش عن أمور الناقلين؛ احتياطاً للدين، وحفظاً للشريعة من تلبيس الملحدين)).
وأختم هذه المقدمة بما قاله الإمام ابن حبان رحمه الله تعالى في أول كتابه [المجروحين 1/2] بعد خطبة الحاجة: ((فإنَّ أحسن ما يدخره المؤمن الخير في العقبى وأفضل ما يكتسب به الذخر في الدنيا حفظ ما يعرف به الصحيح من الآثار، ويميز بينه وبين الموضوع من الأخبار، إذ لا يتهيأ معرفة السقيم من الصحيح ولا استخراج الدليل من الصريح إلا بمعرفة ضعفاء المحدثين والثقات، وكيفية ما كانوا عليه من الحالات.
فأما الأئمة المرضيون والثقاة المحدثون فقد ذكرناهم بأسمائهم, وما نعرف من أنبائهم, وإني ذاكر ضعفاء المحدثين, وأضداد العدول من الماضين, ممن أطلق أئمتنا عليهم القدح, وصح عندنا فيهم الجرح, وأذكر السبب الذي من أجله جرح, والعلة التي بها قدح, ليرفض سلوك الاعوجاج, بالقول بأخبارهم عند الاحتجاج, وأقصد في ذلك ترك الإمعان والتطويل, وألزم الإشارة إلى نفس التحصيل, وبالله أستعين على السداد في المقال, وبه نتعوذ من الحيرة والضلال, إنه منتهى رجاء المؤمنين، وولي جزاء المحسنين)).
وبما قاله الشيخ مقبل رحمه الله تعالى في بيان وجوب القيام بعلم الجرح والتعديل في هذا العصر في كتابه [فضائح ونصائح ص37-39/ دار الحرمين بالقاهرة]: ((القوم يعرفون أنهم مجروحون, فهم يوافقون على الديمقراطية وحلق اللحية ولبس البنطلون والمجالس النيابية والتصويت والانتخابات ووِد مع الشيوعيين والفسقة؛ وقد أجمع مَنْ يعتد به: على الجرح والتعديل.
وإذا لم يقم أهل السنة العصريون بالجرح والتعديل فسيكون كلامك أيها السني الذي تقول: قال الله، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم, وكلام محمد الغزالي الذي يحارب السنة, وكلام الشعراوي الذي يتلون، وكلام علي طنطاوي واحداً.
بل كل منهم هو المقبول عند الحزبيين وعند العامة؛ لأنهم هم العلماء الذين يتكلمون في الإذاعة والتلفزيون، ويكتبون في الجرائد والمجلات, ومن أنت بجانبهم في نظر العامة ونظر الحزبيين؟!. فلا بد أن يقيم أهل السنة علم الجرح والتعديل.
ومَنْ الذي يقوم بالجرح والتعديل؟
إنه العالم البصير الذي يخاف الله؛ وليس كل أحد يتصدر للجرح والتعديل)).
وقال الشيخ ربيع حفظه الله تعالى في مقاله [أئمة الحديث ومن سار على نهجهم هم أعلم الناس بأهل الأهواء والبدع]: ((وكتب أئمة الجرح والتعديل زاخرة ببيان أهل البدع وبيان عقائدهم وأحوالهم, وكذا مؤلفات أئمة الحديث في العقائد مليئة ببيان أحوال أهل البدع طوائف وأفراداً وهم العلماء حقاً. قال الإمام أحمد: "الذي لا يميز بين صحيح الحديث من سقيمه: ليس بعالم".
فهل بقي مجال للقول: بأنَّ أهل البدع لا يدخلون في جرح أئمة الحديث ولا في أصولهم.
ولا يتنقص أهل الحديث وينتقص علومهم إلا جاهل ضال مفتر.
والجرح والتعديل هم أئمته، وهم مرجع علماء الأمة فيه؛ من مفسرين وفقهاء، وهم الذين تصدوا لأهل البدع فكشفوا عوارهم وبينوا ضلالهم؛ من خوارج وروافض ومعتزلة ومرجئة وقدرية وجبرية وصوفية, ولا يزالون قائمين بهذا الواجب العظيم.
ولا يزال باب الجرح والتعديل قائماً ومفتوحاً؛ ما دام هناك أهل حق وأهل باطل، وأهل ضلال وأهل هدى, ولا يزال الصراع قائماً بين الطائفة المنصورة ومن خالفها من أهل الضلال ومن خذلها, "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خلفهم حتى يأتي أمر الله".
ومن قال: إنَّ باب الجرح والتعديل قد انتهى؛ فقد غلط غلطاً كبيراً, ولا تزال أقلام أهل السنة تتدفق بنقد وبيان حال أهل البدع؛ من روافض وخوارج ومعتزلة وصوفية وأشعرية وأحزاب منحرفة, وبيان بدعهم وضلالاتهم)).
قلتُ:
وحامل لواء الجرح والتعديل في هذا العصر وبحق هو العلامة المجاهد الشيخ ربيع المدخلي حفظه الله تعالى بشهادة مجدد العصر الإمام المحدِّث الشيخ الألباني رحمه الله تعالى؛ على رغم أنوف أهل الأهواء.
قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في شريط [الموازنات بدعة العصر]: ((وباختصار أقول: إنَّ حامل راية الجرح والتعديل اليوم في العصر الحاضر وبحق هو: أخونا الدكتور ربيع، والذين يردون عليه لا يردون عليه بعلم أبداً، والعلم معه)).
ومَنْ أراد زيادة في كلام العلماء المعاصرين في مشروعية الجرح والتعديل في هذا العصر واستمراريته فليرجع إلى مقال [أقوال بعض أهل العلم في مسألة الجرح والتعديل في هذا الزمان] وهو منشور في شبكة سحاب.
أقول:
وبعد هذه المقدمة؛ نشرع في الكلام عن مسألة جرح المبتدعة هل هو ملزِم أم لا إلزام فيه؟!
أقول:
أثار بعض الناس في هذا العصر أنَّ جرح المبتدعة غير ملزم!، بمعنى: لو أنَّ عالماً معتبراً جرح شخصاً معيناً بالبدعة وذكر الأسباب التي أوجبت هذا الجرح بالأدلة الصريحة والبراهين القاطعة والتي لا تحتمل إلا البدعة، ولم يتبين - بالأدلة العلمية والقرائن الصحيحة - لنا خلاف ما ذكره هذا العالم، فليس تبديعه ملزم لغيره من الناس ولو اطَّلع على تلك الأسباب؛ بل لا يجوز أن نجعل خلافنا في مبتدع أو سني وقع في بدعة سبباً للاختلاف فيما بيننا مطلقاً.
ولنضرب مثالاً يوضِّح ذلك:
جرح جمع من أكابر أهل العلم سيد قطب بأدلة صريحة وبراهين قاطعة وذكروا أسباباً لا تحتمل إلا الجرح.
بينما عدَّله الشيخان بكر أو زيد وابن جبرين، مع أنهما اطَّلعا على أسباب تبديع العلماء له، ولم يقتنعا بذلك، وليس عندهما ما يخالِف أو يدفع تلك الأسباب، ودافعا عن سيد قطب بلا حجة ولا برهان، وتكلَّما في الجارح فيه بمجرد التهويل والطعن والانتقاص.
فما هو موقف السلفي من هذا التجريح والخلاف فيه؟
هل له أن يُنكِر ويشنِّع ويلزم المخالِف الذي توقَّف في تجريح سيد قطب؟
أم أنَّ له أن يُبدِّع سيد قطب لكن من غير إلزام ولا إنكار ولا تشنيع على المخالِف؛ سواء المتوقف فيه أو المدافع عنه؟!
هذا هو حقيقة الخلاف بين السلفيين وبين دعاة التمييع وأنصارهم اليوم.
|