مختارات من كتاب الأنوار الساطعات لآيات جامعات
قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًا وَمُقَامًا * قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾[الفرقان: 63-77].
المفردات:
الهون: الرفق واللين والسكينة، الجاهلون: السفهاء، قالوا سلامًا: قال كلامًا يسلمون فيه من مقابلة الجاهل بجهله، يبيتون: البيتوتة هي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم، مستقرًا: موضع قرار وإقامة، الإسراف: مجاوزة الحد في النفقة، التقتير: التضييق والشح، قوامًا: وسطًا وعدلاً، لا يدعون: لا يشركون، أثامًا: عقوبة وجزاء، مهانًا: ذليلاً مستحقرًا، لا يشهدون الزور: لا يحضرون القول والفعل المحرم ولا يقيمون الشهادة الكاذبة.
اللغو: الكلام الذي لا خير فيه، مروا كرامًا: مروا مكرمين لأنفسهم عن الخوض فيه، الخرور: السقوط والوقوع، قرة أعين: تقربهم أعيينا من الدنيا بالصلاح وفي الآخرة بالجنة، إمامًا: قدوة يقتدى بنا في الخير، الغرفة: البناء العالي، يعبأ بكم: يصنع بكم، لولا دعاؤكم: لولا إيمانكم.
وقوله تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا ﴾ هذا كلام مستأنف لبيان أوصاف صالحي عباده سبحانه وأحوالهم الدينية والدنيوية بعد أن وصف الكفار بالإعراض عن عبادته، والنفور عن طاعته والسجود له عز اسمه.
وعباد: مبتدأ، والذين يمشون: الخبر، يقول تعالى: وعباد الرحمن الذي حق لهم الجزاء والمثوبة من ربهم، هم المخلصون، الذين من صفاتهم أنهم يمشون في سكينة ووقار، لا يضربون بأقدامهم الأرض كبرًا، ولا يخفقون بنعالهم أشرًا وبطرًا، كفعل المستكبرين والمتجبرين، قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الجِبَالَ طُولاً ﴾.
وروي أن عمر ( رأى غلامًا يبتختر في مشيته، فقال: إن البخترة مشية تكره إلا في سبيل الله، وقد مدح الله أقوامًا، فقال: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا ﴾ فاقصد في مشيتك، وليس المراد أن الإنسان يمشي كالمريض تصنعًا ورياءً، فقد كان النبي ( سيد ولد آدم إذا مشي كأنما ينحط من صبب وكأنما الأرض تطوى له.
وروي أن عمر رأى شابًا يمشي رويدًا، فقال: ما بالك أأنت مريض؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، فعلا الرجل بالدرة وأمره أن يمشي بقوة، والمقصود أن المراد هنا المشي بسكينة ووقار وتواضع، وأنشدوا:
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعًا
وإن كنت في عز وحرز ومنعة
فكم تحتها قوم هموا منك أرفع
فكم مات من قوم هموا منك أمنع
وقال عبدالله بن المبارك عن معمر عن عمر بن المختار، عن الحسن البصري في قوله: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴾الآية، قال: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلت والله منهم الأسماع والأبصار والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وما بالقوم من مرض وإنهم والله لأصحاء، ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة.
فقالوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ﴾، أما والله ما أحزنهم! ما أحزن الناس! ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجنة، ولكن أبكاهم الخوف من النار، إنه من لم يتعز بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله نعمة إلا في مطعم ومشرب، فقد قل علمه، وحضر عذابه.
وقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ أي إذا خاطبهم السفهاء وقليلوا الأدب بما يكرهونه ﴿ قَالُوا سَلامًا﴾(أي سداد من القول يسلمون فيه من الإثم، ويسلمون من مقابلة الجاهل بجهله، بل يتحملون ما يرد عليهم من الأذى.
وكان ( لا تزيده شدة الجاهل إلا حلمًا، من ذلك ما في «الصحيحين»، قال: بينما نحن عند رسول الله ( وهو يقسم قسمًا إذا أتاه ذو الخويصرة –رجل من بني تميم-، فقال: يا رسول الله، اعدل، فقال رسول الله (: «ويلك من يعدل إن لم أعدل، لقد خبت وخسرت إذا لم أعدل، فمن يعدل؟» فقال عمر بن الخطاب (: يا رسول الله، ائذن لي فيه، فأضرب عنقه، فقال رسول الله (: «دعه».
ويوم حنين إذ قسم رسول الله ( ما قسم، قال رجل، كما يروي البخاري: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله، فقلت –أي عبدالله-: والله لأخبرن رسول الله (، فأتيته فأخبرته، فقال: «من لم يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله، رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا، فصبر».
وأخرج الشيخان عن أنس بن مالك أن امرأة يهودية أتت رسول الله ( بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله (، فسألها عن ذلك، قالت: أردت لأقتلك، فقال: «ما كان الله ليسلطك علي»، أو قال على ذلك، قالوا: ألا نقتلها؟ قال: «لا».
والخلاصة: أن قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ﴾مدح لهم بالحلم الكثير، ومقابلة المسيء بالإحسان والعفو عن الجاهل، وهذه الخصلة تدل على رزانة عقل المتصف بها.
قال الله تعالى: ا﴿ دْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ﴾إلى قوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الجَاهِلِينَ﴾ وقال: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
ولما ذكر تعالى ما بينهم وبين الخلق ذكر ما بينهم وبينه: ﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾المعنى: أنهم يبيتون لربهم ساجدين على وجوههم قائمين على أقدامهم، فهم الأيقاظ والناس نيام , المتوجهون إلى ربهم الشديدوا الحساسية برقابة ربهم ورقابتهم لأنفسهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ﴾، وقال: ﴿كانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾
فإن من أفضل أنواع التطوعات صلاة الليل الدالة على الإخلاص، وتواطئ القلب واللسان، وأنشدوا في صفة الأولياء:
امنع جفونك أن تذوق مناما
واعلم بأنك ميت ومحاسب
لله قوم أخلصوا في حبه
قوم إذا جن الظلام عليهم
خمص البطون من التعفف ضمرا
واذر الدموع على الخدود سجاما
يا من على سخط الجليل أقاما
فرضي بهم واختصهم خداما
باتوا هنالك سجدا وقياما
لا يعرفون سوى الحلال طعاما
ثم أخبر تعالى أنهم مع حسن معاملتهم للخلق واجتهادهم في عبادة الخالق وحده لا شريك له يخافون عذابه، ويدعونه ويبتهلون إليه في صرفه عنهم، ثم بين أن سبب سؤالهم هذا لوجهين:
الأول: أن عذابها كان غرامًا، وفي معناه خمسة أقوال: أحدها: دائمًا، رواه أبو سعيد الخدري عن رسول الله (، والثاني: موجعًا، رواه الضحاك عن ابن عباس، والثالث: ملحًا، قاله ابن السائب، وقال ابن جريج: لا يفارق، والرابع: هلاكًا، قاله أبو عبيدة، والخامس: أن الغرام في اللغة أشد العذاب.
والثاني: أنها ساءت مستقرًا ومقامًا، المعنى: أنها بئس المنزل مستقرًا جهنم وبئس المقام مقامها، أي أنهم يقولون عن علم، وإذًا فهم أعرف بعظم ما قدر ما يطلبون فيكون ذلك أقرب إلى النجح.
قال الحسن: قد علموا أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم.
الخامسة من صفاتهم قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ اختلف العلماء في النفقة التي عناها في هذا الموضع، وما الإسراف فيها والإقتار؟ فقال بعضهم: الإسراف ما كان من نفقة في معصية الله، والإقتار المنع من حق الله، فعن ابن عباس في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ الآية، قال: هم المؤمنون لا يسرفون، فينفقون في معصية الله، ولا يقترون فيمنعون حقوق الله.
وقال ابن زيد: لم يسرفوا فينفقوا في معاصي الله، كل من أنفق في معصية الله وإن قل فهو إسراف، ولم يقتروا فيمسكوا عن طاعة الله، قال: وما أمسك عن طاعة الله وإن كثر فهو إقتار.
وقال بعضهم: الإسراف المجاوزة في النفقة الحد، والإقتار: التقصير عن الذي لابد منه، وقيل: لا يجيعهم، ولا يعريهم، ولا ينفق نفقة، يقول الناس: قد أسرف.
وعن يزيد بن حبيب في هذه الآية: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا﴾ الآية، قال: كانوا لا يلبسون ثوبًا للجمال ولا يأكلون طعامًا للذة، ولكن كانوا يريدون من اللباس ما يسترون به عورتهم ويكتنون به من الحر والقر، ويريدون من الطعام ما سد عنهم الجوع وقواهم على عبادة ربهم.
والراجح قول من قال: الإسراف في النفقة الذي عناها الله في هذا الموضع ما جاوز الحد الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه، والإقتار: ما قصر عما أمر به، والقوام: بين ذلك.
والخلاصة: أنهم ليسوا بالمبذرين في إنفاقهم فلا ينفقون فوق الحاجة، ولا ببخلاء على أنفسهم وأهليهم، فيقصرون فيما يجب نحوهم، بل ينفقون وسطًا عدلاً وخير الأمور أوساطها، وقد قيل:
بينَ تبذيرٍ وبخلٍ رتبةً
فكلا هذينِ إنْ زادَ قتلْ
وقال الآخر:
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد
كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وقال الآخر:
إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت
وساقت إليه الإثم والعار بالذي
ولم ينهها تاقت إلى كل باطل
دعته إليه من حلاوة عاجل
وقوله: ﴿ الَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ ما ذكر في سبب نزول الآية منها: ما روى البخاري عن مسلم من حديث ابن مسعود، قال: سألت رسول الله (: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك»، قلت: ثم أي؟ قال: «إن تزاني بحليلة جارك»، فأنزل الله تصديقها: ﴿ وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾الآية.
والثاني: أن ناسًا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا رسول الله (، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ أخرجه مسلم من حديث سعيد بن جبير.
المعنى: أنه تعالى لما فرغ من ذكر إتيانهم بالطاعات شرع في بيان اجتنابهم للمعاصي، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾فلا يجعلون لله شريكًا يوجهون عبادتهم إليه، بل يوجهون عبادتهم لله وحده.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ﴾المراد بالنفس هنا نفس المسلم والكافر المعاهد، أي لا يقتلونها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق المزيل لحرمتها وعصمتها، وهو النفس بالنفس، والزاني المحصن، والكافر الذي يحل قتله.
لما ورد عن عبدالله بن مسعود (، قال: قال رسول الله (: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ( بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» رواه الجماعة.
وقد اختلف العلماء هل لقاتل المؤمن عمدًا من توبة أم لا؟, وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف أبو هريرة، وعبدالله بن عمرو، وأبو سلمة، وعبيد بن عمير، والحسن، والضحاك بن مزاحم، نقله عنهم بن أبي حاتم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
وروى البخاري عن سعيد بن جبير، قال: اختلف علماء الكوفة فرحلت إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - فسألته عنها، فقال: نزلت هذه الآية: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا ﴾ وهي آخر ما نزل، وما نسخها شيء، وروى النسائي عنه نحو هذا.
ومن أدلتهم ما ورد عن أبي هريرة ( قال: قال رسول الله (: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة، لقي ربه عز وجل مكتوب بين عينيه آيِسٌ من رحمة الله» رواه أحمد وابن ماجه.
وعن معاوية ( قال: سمعت رسول الله ( يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا أو الرجل يقتل مؤمنًا» رواه أحمد و النسائي، ولأبي داود من حديث أبي الدرداء كذلك.
وروي عن البراء ابن عازب ( أن النبي ( قال: «لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله مِن قتل مؤمن، ولو أن أهل سمواته، وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله تعالى النار».
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه –عليه الصلاة والسلام- قال: «لو أن الثقلين اجتمعوا على قتل مؤمن لأكبهم الله على مناخرهم في النار، وأن الله تعالى حرم الجنة على القاتل والآمر به».
وذهب جمهور العلماء إلى أن التوبة من القاتل عمدًا مقبولة، واستدلوا بمثل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، وبقوله: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾
وقالوا أيضًا: والجمع ممكن بين هذه الآية وآية النساء فيكون معناه فجزاؤه جهنم إلا من تاب، لاسيما وقد اتحد السبب وهو القتل، والموجب وهو التوعد بالعقاب.
واستدلوا أيضًا بالحديث المذكور بـ «الصحيحين» عن عبادة بن الصامت ( عن رسول الله ( قال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق»، ثم قال: «فمن أصاب من ذلك شيئًا فستره فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه».
وبحديث أبي هريرة ( الذي أخرجه مسلم في «صحيحه»، وغيره في الذي قتل مائة نفس.
وحديث: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته» الحديث متفق عليه.
وذهب جماعة منهم أبو حنيفة وأصحابه والشافعي: إلى أن القاتل عمدًا داخل تحت المشيئة، تاب أو لم يتب.
قال ابن القيم - رحمه الله -: والتحقيق في المسألة أن القتل تتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله، وحق المقتول، وحق الولي، فإذا سلم القاتل نفسه طوعًا واختيارًا ندمًا على ما فعله وخوفًا من الله، وتوبة نصوحًا، سقط حق الله بالتوبة، وحق الأولياء بالاستيفاء أو الصلح أو العفو، وبقي حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه وبينه، فلا يضيع حق هذا ولا يبطل حق هذا، انتهى.
وبتقدير دخوله فليس بمخلد في النار خلافًا للخوارج والمعتزلة الذين يخلدونهم في النار ولو كانوا موحدين، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ( «أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة أو خردلة أو ذرة من الإيمان».
وقوله: ﴿ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾أي لا يستحلون الفروج المحرمة بغير نكاح أو ملك يمين، ولا خلاف في كون الزنا من كبائر الذنوب.
وقد ورد في تقبيحه والتنفير عنه من الأدلة ما هو معلوم، قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾، والزنا يشتمل على مفاسد منها:
1- اختلاط الأنساب واشتباهها، وإذا اشتبه الولد الذي أتت به الزانية أمنه هو أم من غيره؟, لا يقوم بتربيته ولا يستمر في تعهده، وذلك يوجب إضاعة النسل وخراب العالم.
2- فتح باب الهرج والقيل والقال والمرج والاضطراب بين الناس دفاعًا عن العرض، فكم من حادث مبعثه الإقدام على الزنا.
3- إن المرأة إذا اشتهرت بالزنا استقذرها كل ذي طبع سليم، فلا تحدث ألفة بينها وبين زوجها إذا كان نقي العرض بخلاف الديوث، فلا يهتم بذلك.
4- أنه لا يتم السكن والإزدواج الذي جعله الله مودة ورحمة بين الناس بقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
5- إنه ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة، بل أن تصير شريكة للرجل في ترتيب المنزل، وإعداد مهامه من مطعوم ومشروب وملبوس، وأن تكون حافظة له قائمة بشئون الأولاد والخدم، وهذه المهام لا تتم على وجه الكمال إلا إذا كانت مختصة بالرجل الواحد الذي هو زوجها منقطعة له دون غيره من الناس.
ومن مضار الزنا أنه قتال للأخلاق الفاضلة، وناشر للأمراض الفاتكة فالسيلان والقروح الأكالة والزهري أثر من آثاره الوخيمة وشر من شروره المستطيرة، هذا نموذج من أضراره في الدنيا، وأما في الآخرة فإليك ما قاله الجبار جل وعلا: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ روي عن عبدالله بن عمرو إنه قال: أثام: واد في جهنم.
وقال عكرمة: يلق أثامًا أودية في جهنم يعذب فيها الزناة، وقال قتادة: يلق أثامًا نكالاً كنا نتحدث أنه واد في جهنم، وقد ذكر لنا أن لقمان كان يقول لابنه: يا بني إياك والزنا، فإن أوله مخافة وآخره ندامة.
وفي الحديث عن أبي أمامة الباهلي مرفوعًا وموقوفًا: «أن غيًا وأثامًا بئران في قعر جهنم» أجارنا الله منها بمنه وكرمه، وقال السدي: يلق أثامًا جزاء.
وروى البخاري في حديث منام النبي ( عن سمرة بن جندب (: أن رسول الله ( جاءه جبريل وميكائيل، قال: «فانطلقنا فأتينا على مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع فيه لغط وأصوات»، قال: «فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، فإذا هم يأتيهم لهم من أسفل منهم فإذا تاهم اللهب ضَوْضَوا -أي صاحوا من شدة حره- فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني».
إذا فهمت ذلك، فاعلم أن له أسبابًا: منها: دخول الرجال الأجانب على النساء، والانفراد بهن من دون محرم لهن في بيت أو سيارة أو نحو ذلك، ومنها: خروج النساء من بيوتهن متبرجات متعطرات، ومنها: تأخير زواج من بلغ من الشبان والشابات، ومنها: إعوجاج الأزواج وخيانتهم بالاتصال بالفاجرات من النساء، ومن ذلك النظر إلى الأجنبية.
قال الناظم - رحمه الله -:
ألا من له في الدين والعلم رغبة
ويقبل نصحًا من شفيق على الورى
فطرف الفتى يا صاح رائد فرجه
فمن مد طرفًا أو زنا يزن أهله
فلو لم يكن فعل الزناء كبيرة
لكان حريًا أن يصون حريمه
ليصغ بقلب حاضر مترصد
حريص على زجر الأنام عن الردى
ومتعبه فاغضضه ما استطعت تسعد
فعف يعفوا قاله خير مرشد
ولم يخش من عقباه ذو اللب في غد
بهجر الزنا خوف القصاص كما ابتدى
ومثل الزنا بل أعظم منه وأشد، اللواط -والعياذ بالله- الذي عذب الله عليه أمة بأسرها، واستأصلهم به حين قال نبيهم: ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾
وقد اختلف العلماء في حد اللواط، فقيل: إن عقوبته أغلظ من عقوبة الزنى، وعقوبته القتل على كل حال محصنًا كان أو غير محصن، وإلى هذا القول ذهب أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عباس، وخالد بن زيد، بن معمر والزهري، وربيعة بن أبي عبدالرحمن، ومالك، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد في أصح الروايتين عنه، والشافعي في أحد قوليه.
قال أصحاب هذا القول وهم جمهور الأمة، وحكاه غير واحد إجماعًا للصحابة، قاله ابن القيم، وقالوا: ليس في المعاصي مفسدة أعظم من مفسدة اللواط، وهي تلي مفسدة الكفر، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل، ولم يبتل الله تعالى بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحدًا من العالمين وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أمة غيرهم، وجمع عليهم أنواعًا من العقوبات من الإهلاك، وقلب ديارهم عليهم، وخسف بهم ورجمهم بالحجارة من السماء، وطمس أعينهم وعذبهم وجعل عذابهم مستمرًا، فنكل بهم نكالاً لم ينكله بأمة سواهم.
وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التي تكاد الأرض تميد من جوانبها إذا عملت عليها وتهرب الملائكة إلى أقطار السموات والأرض إذا شاهدوها خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم وتعج الأرض إلى ربها تبارك وتعالى، وتكاد الجبال تزول عن أماكنها.
وقتل المفعول به خير له من وطنه، فإنه إذا وطئه الرجل قتل قتلاً لا ترجى له الحياة معه بخلاف قتله، فإنه مظلوم شهيد، وربما ينتفع به في آخرته.
قالوا: والدليل على هذا أن الله سبحانه جعل حد القاتل إلى خيرة الولي إن شاء قتل وإن شاء عفا، وحتم قتل اللوطي حدًا، كما أجمع عليه أصحاب رسول الله (، ودلت عليه سنة رسول الله ( الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها.
وقد ثبت عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلاً ينكح كما تنكح المرأة، فكتب إلى أبي بكر الصديق (، فاستشار أبو بكر الصديق الصحابة (، فكان علي بن أبي طالب أشدهم قولاً فيه، فقال: ما فعل هذا إلا أمة من الأمم واحدة، وقد علمتم ما فعل الله بها أرى أن يحرق بالنار، فكتب أبو بكر إلى خالد، فحرقه.
وقال عبدالله بن عباس: ينظر إلى أعلا ما في القرية فيرمى اللوطي منها منكسًا، ثم يتبع بالحجارة، وأخذ ابن عباس هذا الحد من عقوة الله للوطية من قوم لوط.
وابن عباس هو الذي روى عن النبي (: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به» رواه أهل السنن، وصححه ابن حبان وغيره.
واحتج الإمام أحمد بهذا الحديث، وإسناده على شرط البخاري، قالوا: ثبت عنه ( أنه قال: «لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط».
وأطبق أصحاب رسول الله ( على قتله لم يختلف منهم فيه رجلان، وإنما اختلف أقوالهم في صفة قتله.
قالوا: ومن تأمل قوله سبحانه: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾، وقوله في اللواط: ﴿ أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ ﴾تبين له تفاوت ما بينهما، فإنه سبحانه نكر الفاحشة في الزنى، أي هو فاحشة من الفواحش، وعرفها في اللواط، وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة، أي أتأتون الخصلة التي استقر فحشها عند كل أحد.
ثم زاد في التأكيد بأن صرح بما تشمئز منه القلوب، وتنبو عنه الأسماع، وتنفر منه أشد النفور، وهو إتيان الرجل الرجل مثله ينكحه كما ينكح الأنثى، فقال: ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾.
ثم نبه على استغنائهم عن ذلك، وأن الحامل لهم عليه ليس إلا مجرد الشهوة، لا الحاجة التي مال الذكر إلى الأنثى من قضاء الوطر ولذة الاستمتاع، وحصول المودة و الرحمة التي تنسي المرأة لها أبويها، وتذكر بعلها، وحصول النسل الذي هو حفظ هذا النوع الذي هو أشرف المخلوقات.
وتحصين المرأة وقضاء الوطر، وحصول علاقة المصاهرة، وقيام الرجل على النساء، وخروج أحب الخلق إلى الله من جماعهن كالأنبياء والمؤمنين، ومكاثرة النبي ( الأنبياء بأمته، إلى غير ذلك من مصالح النكاح، والمفسدة التي في اللواط تقاوم ذلك كله وتربي عليه بما لا يمكن حصره وفساده.
ثم أكد سبحانه قبح ذلك بأن اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر عليها الرجال وقلبوا الطبيعة التي ركبها الله في الرجال، وهي شهوة النساء دون الذكور، فقلبوا الأمر وعكسوا الفطرة والطيعة، فأتوا الرجال شهوة من دون النساء، ولهذا قلب الله عليهم ديارهم، فجعل عاليها سافلها، وكذلك قلبوا هم ونكسوا في العذاب على رءوسهم.
ثم أكد سبحانه قبح ذلك بأن حكم عليهم بالإسراف، وهو مجاوزة الحد، فقال: ﴿ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾، وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله:﴿ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ القَرْيَةِ الَتِي كَانَت تَّعْمَلُ الخَبَائِثَ﴾.
ثم أكد عليهم الذم بوصفين في غاية القبح، فقال: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾، وسماهم مفسدين في قول نبيهم:﴿ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾، وسماهم ظالمين في قول الملائكة: ﴿ إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾، ولما جادل فيهم خليل الرحمن الملائكة، وقد أخبروه بإهلاكهم، قيل له: ﴿ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾.
وتأمل خبث اللوطية وفرط تمردهم على الله، حيث جاءوا نبيهم لوطًا لما سمعوا بأنه قد طرفه أضياف هم من أحسن البشر صورًا، فأقبل اللوطية إليه يهرعون، فلما رآهم، قال لهم: ﴿ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ فردوا عليه –ولكن رد جبار عنيد-: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾.
فنفث نبي الله نفثه مصدور خرجت من قلب مكروب، فقال: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، فكشْف له رسل الله عن حقيقة الحال، وأعلموه أنهم ممن ليس يوصل إليهم ولا إليه بسببهم، فلا تخف منهم ولا تعبأ بهم وهون عليك.
فقالوا: ﴿ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾.
فوالله ما كان بين إهلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه إلا ما بين السحر وطلوع الفجر، وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصولها ورفعت نحو السماء حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب ونهيق الحمير، فبرز المرسوم الذي لا يرد من عند الرب الجليل على يدي عبده ورسوله جبرائيل بأن يقلبها عليهم، كما أخبر به في محكم التنزيل.
فقال عز من قائل: ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ ﴾فجعلها آية للعالمين وموعظة للمتقين ونكالاً وسلفًا لمن شاركهم في أعمالهم من المجرمين، انتهى من كلام ابن القيم -رحمه الله- باختصار.
وقال أيضًا - رحمه الله -: وللمعاصي من الآثار المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله، فمنها: الطبع على القلب إذا تكاثرت حتى يصير صاحب الذنب من الغافلين، كما قال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿ كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قال: هو الذنب بعد الذنب.
وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
وقال غيره: لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم.
وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية، فإذا زادت غلب الصدأ حتى يصير رانًا، ثم يغلب حتى يصير طبعًا وقفلاً وختمًا، فيصير القلب في غشاوة وغلاف، فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس، فصار أعلاه أسفله، فحينئذ يتولاه عدوه ويسوقه حيث أراد.
ومنها: فساد العقل، فإن العقل نور، والمعصية تطفئ نور العقل، ولابد إذا أطفئ نوره ضعف ونقص.
يتبع بحول الله ...