لأنّ الغرضَ ليس نُصرة الدّين -وإن كان هذا ما به بُحّت أصوتهم مناداة به؛ فلا تُسلِّم لهم بهذا، وأنظر تَرَ!- وإراحة العِباد؛ وإنّما هي شهوةُ نفسٍ يُسعى في تحقيقها بأن يُعتلى الكُرسيُّ منهم، لا أكثر -وهذا الذي ظهر وسيظهر-!
وأبشّركم -رعاكم الله- لتطمئنَّ نفوسكم لِما قلتُ؛ فأقول:
حالُ القومِ يتلخّصُ في (صَوْتِهِم) الغليظ للبحّةِ والمُرعب أحيانا -من كثرة الصُّراخ في المُطالبة بتطبيق الشّرع دستوراً للدّولة، وإعطاء حقوق المسلمين المنتهكة المسلوبة- وتأثيرهُ على السّامعين، إنّما هو كتأثير (صور أسد) عند عَرْضِهَا في حين غفلة على مَن لم يتهيّأ لها للوهلة الأولى، وما إن يُثَبِّت بصرهُ فيها يتفحّصُها -وعيناهُ شاخصتانِ، والفمُ مفتوحٌ وقد جفَّ حلقُه ولهاته؛ من هول الصّدمة- بُرهة؛ فيثبُتُ لديه -بالعلم جزماً- أنّ ذاك (الأسد) مُجرّد صورة على ورقٍ! فلم يأبه به شيئا...
فينقلِبُ بعدُ ضاحِكاً -وقد وضع كفّهُ على فيه- بنفسه على نفسه قَبلَ ضَحِكِه على (الأسد الورق)، وربّما مزّقهُ ومسحَ بقرطاسه دُموعَهُ التي سالت مِن الضَّحِك ذاك، ثمّ رماها خلفه ومضى في سيرهِ غير مُعقِّب.
هكذا هُم القوم...
يُنادونَ بالإصلاح وتطبيق الشّرعِ باللاّفتات في المظاهرات، والاعتصامات في الشّوارع، والإضرابات عن العمل. والحقيقة أنّ الشّرعَ الذي بتطبيقه يُطالِبُون قد خالفوهُ بِفِعلهم هذا، زِدْ أنّهم لا يُطبِّقونَهُ هُم في بُيُوتاتِهم، ولا في أنفسهم(١٦)!
١/ فهل رأيتَ رجُلاً من (الجبهة -سابِقا-)؛ عفواً، أعني (القَفَا) يُجَلْبِبُ زوجتَهُ بحجابٍ شرعيِّ تامّ الشروط؟!
قد يقول قائلٌ: نعم، رأيتُ.
فأقولُ: نادِرٌ حُدوثهُ، وهذا شاذٌّ عن المعهود منهم -هداهم الله-، والشّاذُّ لا يُقاسُ عليه.
٢/ وهل وجدتَ رجُلاً مِن (القفا) أو مِنَ (حلويات مُرطِّبات سكّريّات!)(١٧) يمنعُ التِّلفازَ عن أهل بيتِه وبناتهِ، وما يُعرض فيه مِن مُسلسلاتٍ مُدبلجة تُعلّم الخيانة الزّوجيّة، وأفلامٍ تُمهّد للخنا في البيوت ثقافة عصريّة، شرقيّة وغربيّة... فضائحيّة؟!
٣/ أم وجدتَ أحدهم يتورّع عن مشاهدة تلك النشرات الإخباريّة التي تقدِّمُها نساء مُتبرِّجات سافرات، والحجّةُ النّظر في حال الأمّة والمسلمين المستضعفين؛ فمَن لم يهمّه أمر المسلمين فليس منهم؟!
٤/ وهل وقَعَت عينُكَ على أحد الحزبيّين المشتغلين بالسّياسة ومُناطحة الحُكّام في الانتخابات يذبُّ عن عرض ابن تيميّة الذي استباحه الصوفيّةُ والرافضة، أو يذود عن الألباني الذي صار عِرضا مُستباحا في أفواه السُّفهاء المجرمين من أعدائه -شدّة وتمييعا-...؟!
هل، وهل... وهل...؟!
أين الشرع وتطبيقهُ يا أيّها الطّالِبُونَه!
ألم أقُل لك -يا أخي- من قبلُ:
«... وإنّما هي شهوةُ نفسٍ يُسعى في تحقيقها بأن يُعتلى الكُرسيُّ منهم، لا أكثر -وهذا الذي ظهر وسيظهر-!».
فهل مِن مُدّكر؟!
قال أبو العبّاس ابن تيميّة -رحمه الله- في حقِّ أولئك وأشباههم:
«إنّك تَجِد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول، وجزماً بالقول في موضع، وجزماً بنقيضِه، وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين... ولهذا قال بعض السلف -عمر بن عبد العزيز أو غيره-: «من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التّنَقُّل». وأمّا أهل السنة والحديث فيما يعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبراً على ذلك، وإن امتُحِنوا بأنواع المحن، وفُتِنوا بأنواع الفتن... ومن صبر من أهل الأهواء على قوله، فذلك لِما فيه من الحق، إذ لابدّ في كل بدعة -عليها طائفة كبيرة- من الحق الذي جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلّم-، ويوافق عليه أهل السنة والحديث: ما يوجب قبولها، إذ الباطل المحض لا يُقبلُ بحال»(١٨).
هم بألوانهم وأشكالهم وأحزابهم -وإن كثُرت؛ لا كثّرها الله- غثاءٌ، ولا ينتمي لِحِزبِهم -أو قُلْ: (لِخُربِهم) - إلاّ النّطيحة والمُتردّية والعرجاء... وما أكل الضّبعُ حتّى الشِّبَع!
فلا مُعوّل عليهم ما كانوا على هذا السّبيل، وكفى بهذا دليل لِمَن (فَقِهَ الواقِع) وعرف ما هو عليهم شائع، يُحدِثُهُ كل حزبيٍّ ضائع، أو أيّ مدسوس في الأمّة باسم السّلف وهو مُخذِّلٌ عنه مائع بين أعدائه!
تنبـيه: وَيَلحَقُ بهؤلاء -أعلاه- مَن خَذَلَ السنّة وأهلها وترك ما كان عليه مِنَ الخير والهُدى، وظهرت حزبيّتهُ أو على الأقل مُصافاتهم واللِّين معهم؛ بل ربّما يُبجّل مَن تلطّخ بالقطبيّة والسّروريّة على مَن شابت لِحيتهُ في السنّة وبلغ مِن الكِبَر عِتِيّا!
كأمثال أبي الحسن المصري ثمّ المأربي، وعدنان عرعور السّوري، وأبي إسحاق الحويني، ومحمد بن حسّان المصري، ومحمد بن عبد الملك الزّغبي، والعيد شريفي الجزائري، وعلي بن حسن الحلبي...
والقائمةُ تطولُ.
فانحرَافُ منهَجِهم -ومَن قبلهم؛ جميعاً- ورّثَهم التّناقُضَ الواضح والتَّـنَقُّل بالجهد بين الأقوال قصدَ ترقيعِ تلك الثُّغور المُتّسِعة؛ ثمّ المآل الهزِيمةَ والفَشَل في نصرِ أنفسهم ونشر دعوتهم الفاسدة، ولا يظلِمُ ربُّك أحداً.
إذن:
فلا تصحب سوى السُّـنِّيَّ ديناً ** لتحمد ما نصحـتُكَ في المآل
وجانِب كـلّ مبتـدع تـراهُ ** فمـا إن عندهم غير المحـال
وَدَعْ آراء أهـل الزّيـغ رأساً ** ولا تغرُرْك حذلقـةُ الـرِّذالِ
فلَـيسَ يـدُومُ للـبِـدعـيِّ رأيٌ ** وَمِن أيـن المقـرُّ لِذِي ارتحال(١٩)
سلّمنا الله وإيّاكم، ورزقنا معالي الأمور، وجنّبنا سَفْسَافَها، وثبّتنا على الحق، وحفظنا مِن بين أيدينا ومِن خَلفِنا، وعن أيماننا وشمائلنا، ونعوذ بعظمته أن نُغتالَ مِن أسفلِنَا.
والحمد لله على انتهائي ** كما حمدت الله في ابتدائي
أسأله مغفـرة الذنـوب ** جميعـها والستر للعيوب(٢٠)
وصلوات ربّي على نبيّنا مُحمّد -سيد ولد آدم- وآله وأصحابه وإخوانه إلى يوم القيامة.
*****
وكتب
عبدُ الغنيِّ بنُ ميلود الجزائريُّ
يوم ٠٢ رمضان ١٤٣٢ هـ
٠٢ أوت ٢٠١١ م
__________________
(١)«متى تعود إلينا فلسطين؟» للشيخ محمد سعيد رسلان (ص ٦-٧-٩).
(٢) من خطبة «لماذا يتطرّفون» للشيخ رسلان.
(٣)«مجالس التّذكير من كلام الحكيم الخبير» للشيخ عبد الحميدبن باديس (ص ٢٥٢).
(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٨/١٧٠).
(٥) خطبة «لماذا يتطرّفون»، وما بين عارضتين إضافة منّي لزيادة البيان.
(٦) من خطبة «إصلاح الفرد... حقيقة الإصلاح» للشيخ رسلان.
(٧) رواه ابن ماجة في «سُننه» (كتاب الفتن)، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
(٨) رواه التّرمذي في «سُننه» (أبواب الفتن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-)، من حديث أبي سعيد كذلك.
(٩)«مجموع الفتاوى» (٢٨/١٧٠).
(١٠)«مجموع الفتاوى» (٣٥/١٢).
(١١)«سير أعلام النبلاء» للذهبي (٩/٤٣٤).
(١٢)«جامع العلوم والحكم» له (ص ٧٧).
(١٣)«عقيدة السلف» له (ص ٩٢).
(١٤)«الإعتصام» للشاطبي (٢/٢٤٥).
(١٥)وجاء في «فتح الباري» لابن حجر؛ من (كتاب الفتن):
«وقال الطبري اختلف السلف في الأمر بالمعروف فقالت طائفة يجب مطلقا واحتجوا بحديث طارق بن شهاب رفعه أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وبعموم قوله من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، الحديث. وقال بعضهم يجب إنكار المنكر لكن شرطه ألاّ يلحق المنكر بلاء لا قبل له من قتل ونحوه، وقال آخرون ينكر بقلبه لحديث أم سلمة مرفوعا: يستعمل عليكم أمراء بعدي فمن كره فقد بريء ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، الحديث».
وعَمَلُ السّلف حجّةٌ على هذا لِمَا في الباب من أحاديث صحيحة وآثار صريحة، قد مُلِئت بها كُتُبُ العقائد، وبها شُحنت رسائل العلماء، ومنها ما هي مُفردَةٌ في ذا الخصوص، والله أعلم.
(١٦) مثال ذلك: أبو الأعلى المودودي؛ رأسٌ من رؤوس (جماعة الإخوان المسلمين)، إسمهُ مخالفٌ للشرع!
فـ: (الأعلى) هو الله -تبارك وتعالى- كما لا يخفى على مسلم؛ فكيف يكون المودوديُّ أباً لله؟!
ولو كان أهلُ السنةِ لا يَعْذُرُون لكفّروا مَن تسمّى أو تكنّى بـ: (أبو الأعلى!)؛ فانظر -أيّها القارئ- كيف هي الطّوام تتجسّدُ في أعلامهم ومُنَظِّريهم! إذا فماذا بقي من (.....!) لأتباعهم الجهلة؟!
(١٧) الحروف:(ح م س)ترمز لـ: (حركة مُجتمع السّلم)، وما سمّيتُ به القوم -أعلاهُ- حقٌّ وأولى؛ ومَن خَبَرَ طريقتهم سوف لن يعترض على ما ها هُنا.
(١٨) أنظر «مجموع الفتاوى» (٣/٢٧-٢٨).
(١٩) مِن قصيدة قالها: أحمد بن محمد بن أحمد، أبو طاهر السّلفي، الأصبهاني -رحمه الله-.
(٢٠) مِن«سلم الوصول إلى علم الأصول» للشيخ حافظ الحكمي -رحمه الله-.