الإبلاغ ببعض مفاسد المذياع
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى محمد وآله وصحبه ومن اقتفى وبعد :
فقد جال في خاطري أن أذكر بعض مفاسد وأضرار المذياع ، وإن كان بمقارنته بصندوق العجب أخف منه حالا ، وهي الوسيلة التي بواسطتها يتم معرفة جديد الأخبار من جميع الأمصار القريبة والبعيدة على ظهْر هذه البسيطة ، وقد كمنت هذه المفاسد في باب الشهوات والشبهات في مختلف الصور والأشكال ..
ففي باب الشهوات المحرمة إيراد المعازف والأغاني في كثير من محطاته بل تجدهـا متفشِّية في الإذاعات التي تزعم أنها ملتزمة بكل ما جاء في الشرع من أهل التصوف وهذا ما يضر بمن يستمع لمثل هذه الإذاعات من عامة الناس فيخالها مباحة إذا خلت من الألفاظ المحرمة والأقوال الفاحشة ...
فعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(( سيأتي أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف )) رواه البخاري ومسلم .
وعن نافع ، أن ٱبن عمر سمع صوت زمارة راعٍ ، فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول : يا نافع أتسمع ؟ فأقول : نعم ، فيمضي حتَّى قلت : لا ، فرفع يده وعدل راحلته إلى الطريق وقال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع زمَّارة راع فصنع مثل هذا ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه .
فقه الحديث من كتاب نيل الأوطار للإمام الشوكاني -رحمه الله- :
( يستحلون الحر ) : ضبطه ابن ناصر بالحاء المهملة المكسورة والراء الخفيفة : وهو الفرج . قال في الفتح : وكذا هو في معظم الروايات من صحيح البخاري ، ولم يذكر عياض ومن تبعه غيره . وأغرب ابن التين فقال : إنه عند البخاري بالمعجمتين . وقال ابن العربي : هو بالمعجمتين تصحيف ، وإنما رويناه بالمهملتين وهو الفرج ، والمعنى يستحلون الزنا . قال ابن التين : يريد ارتكاب الفرج لغير حله . وحكى عياض فيه تشديد الراء والتخفيف هو الصواب . ويؤيد الرواية بالمهملتين ما أخرجه ابن المبارك في الزهد عن علي مرفوعا بلفظ : ( يوشك أن تستحل أمتي فروج النساء والحرير ) ووقع عند الداودي بالمعجمتين ثم تعقبه بأنه ليس بمحفوظ ، لأن كثيرا من الصحابة لبسوه . وقال ابن الأثير : المشهور في روايات هذا الحديث بالإعجام ، وهو ضرب من الإبريسم .
وقال ابن العربي : الخز بالمعجمتين والتشديد مختلف فيه فالأقوى حله وليس فيه وعيد ولا عقوبة بالإجماع ، وقد تقدم الكلام على ذلك في كتاب اللباس قوله : ( والمعازف ) بالعين المهملة والزاي بعدها فاء جمع معزفة بفتح الزاي ، وهي آلات الملاهي . ونقل القرطبي عن الجوهري أن المعازف : الغناء . والذي في صحاحه أنها اللهو ، وقيل : صوت الملاهي ، وفي حواشي الدمياطي : المعازف : الدفوف وغيرها مما يضرب به ، ويطلق على الغناء عزف وعلى كل لعب عزف قوله : ( زمارة ) قال في القاموس : الزمارة كجبانة : ما به كالمزمار قوله : ( فصنع مثل هذا ) فيه دليل على أن المشروع لمن سمع الزمارة أن يصنع كذلك . [ص: 110] . اهـ
وكذلك جاء في بعض الآثار أن الأغاني والمعازف بريد الزنا وطريق الفاحشة - أعاذنا الله من ذلك - .
وتجد بعض أصحاب هذه الإذاعات بطالا لا يبالي بوقته همه فقط كسب المال ولو على حساب البرامج والنشرات التي تدعو للرذيلة و زرع الشر في قلوب المستمعين له فمثلا : تجد بعضهم يدعو للَّغو والكلام الذي لا فائدة من وراءه وقد الله -سبحانه وتعالى- :{ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ }( المؤمنون :3.1 )
قال الإمام العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- في تفسيره «اللَّغو» :
فسر العلماء اللغو، بأمور ثلاثة: أحدها: الشرك ؛ لأنه باطل، وذلك يجب إطراحه والحذر منه. الثاني: المعاصي؛ لأنها باطلة أيضاً يجب الحذر منها. الثالث: كل شيء لا فائدة فيه، ولا مصلحة فيه، فهو من اللغو، والمؤمن يجتنبه، وهكذا المؤمنة وكل التفاسير صحيحة، فإن المؤمنين يجتنبون الشرك كله بأنواعه ويجتنبون المعاصي ويحذرونها ويجتنبون أيضاً كل شيء لا فائدة فيه ولا مصلحة؛ لأنه يشغلهم عما هو أهم، فهكذا ينبغي للمؤمن أن يكون حذراً من أنواع الشرك كلها، ومن سائر ما حرم الله من المعاصي وحذر أيضاً مما يشغله عما هو أهم، من الأشياء التي لا فائدة فيها من قول، أو عمل . اهـ كلامه -رحمه الله- .
ففي الإعراض عنه تكرم النفس ويصان اللسان ويحفظ السمع من كل قبيح مخالف للسلوكات الحميدة والطباع الحسنة ، قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- :(( ليس شيء أحوج إلى طول حبس من لسان )) صححه الإمام الألباني .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو يصمت ... )) رواه البخاري ومسلم .
قال الحافظ في الفتح : قوله : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ) المراد بقوله يؤمن الإيمان الكامل ، وخصه بالله واليوم الآخر إشارة إلى المبدأ والمعاد ، أي من آمن بالله الذي خلقه وآمن بأنه سيجازيه بعمله فليفعل الخصال المذكورات .[ ص: 460 ] اهـ كلامه -رحمه الله- .
ناهيك عن المسابقات التي تدعو للقمار وكسب المال الخبيث المحرم والتعاون على المنكر عبر وسائل الإتصال الأخرى كالهاتف ونحوه .
وأمَّا ما يخص جانب الشبهات فعدها عسير كالإنصات لأهل البدع والمجاهيل وكل متسلق متشدق ، وهذا مخالف لما يجب أن يكون عليه المسلم السني ، والذي يكون أحوط لدينه وأبرأ لذمته ...
فقد كان السلف رحمهم الله ينهون عن الإستماع للمبتدعة والجلوس إليهم والنظر إلى كتبهم وتكثير سوادهم وذلك حفاظا على هذا الدين ، قال الإمام محمد بن سيرين رحمه الله :(( إن هذا العلم دين فٱنظروا عمن تأخذون دينكم )) وقال سفيان رحمه الله : (( من استمع إلى مبتدع لم ينفعه الله بما سمع .. )) وغيرهم من السلف -عليهم رحمة الله تعالى- .
ولا غروة أن نكون في عصرنا الراهن أكثر تحذيراً وحذراً من هؤلاء المتصدرين المفلسين المدلسين من أهل الإفراط كالخوارج وعلى سبيل الذكر أمثل بإذاعة التجديد الإسلامي لصاحبها المسعري المسعور.
وكذا سعد السفيه الذي يدعي أنه فقيه وأيضا كل قطبي سروري وإن غلف كلامه بالسنة وشقشق الكلام وزخرفه ، وكذلك الفزازي والمغراوي وأبو قتادة وأبو بصير وغيرهم ... كثير .
وقد قال الله تعالى في سورة آل عمران : { هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }( آل عمران :7 ) .
وقد ورد في تفسير الآية بالمأثور عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها وأرضاها- : « تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ » قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( إذا رأيتم الذين يجادلون فيه ، فهم الذين عنى الله فاحذروهم ) .رواه البخاري، ومسلم، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، والآجُرِّيّ، وابن بطة العكبري في الكبرى من سبع طرق وفي الصُّغرى ، وٱبن أبي عاصم في السنة، واللالكائي، والهروي، والدارمي .
وأما أهل التفريط فهم كذلك قد ولجوا إلى هذه الوسيلة ليبثواْ فيها بدورهم سمومهم وضلالاتهم وتأصيلاتهم وقواعد الفاسدة والمتميعة والذي يريد لنفسه النجاة فسبيلها هو الإعتصام بالكتاب والسنة بفهم سلف هذه الأمة وكما قال الإمام أبوبكر ابن أبي داود في نظمه للحائية :
تمسك بحبل الله واتبع الهدى *** ولا تك بدعيا لعلك تفلح
ودن بكتاب الله والسنن التي *** عن رسول الله تنجو وتربح
فما أحسن هذه الأبيات من هذا الإمام الأشهر من نار على علم ، وأيضا ماقاله غيره :
والخير كل الخير في ٱتباع من سلف *** والشر كل الشر في ابتداع من خلف
وقد يتباذر للأذهان طرح سؤال ما البديل الذي يفيد العباد ويهديهم إلى سبيل الرشاد ، ونقول بحمد الله أن الإذاعات السنية والشرعية موجودة وهي التي يشرف عليها الإخوة السلفيون ويبثون على آثيرها دروس العلماء والمشايخ الفضلاء .
هذا والله أعلى وأعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه .
كتبه :
أبوشعبة محمد المغربي
الثلاثاء 24 جمادى الثانية 1433 هجرية .