الشَّيخ علي بن عمارة البُرْجِي: صَلاَبةٌ في الحَقِّ، وتَفَانٍ في خِدْمَةِ العِلْمِ والدَّعْوَةِ
معرفتُهُ الفضلَ لأهله:
كان «الشيخ علي بن عمارة»؛ ممّن تصدّى لتهجّم الحافظي على العقبيّ، فقال في مقالته: «مهلاً يا عمي الحافظي» (3)[19] مُقَرّرًا أفضال إخوانه العلماء العاملين على الأمة الجزائريّة:
«من أولي العزم في الجزائر الأستاذ الطيب العقبي وقد وصفه أبو يعلى بأنه أبو ذرّ وهو صادق في ذلك. العقبي رجل متفانٍ في حبّ الخير والإصلاح...مذهبه الصراحة لا ينافق ولا يداهن وهو سلفي صميم يبغض الشر وأهله ويمقت الظلم والاستبداد كيفما كان نوعه ومن أي مصدر خرج صرخ صرخة على الجزائر دوَّتْ لها الأرجاء غيرَ هيَّابٍ ولا وَجِل وأعانه على ذلك قومٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه أعزاء النفوس لا تأخذهم في الله لومة لائم. (إذا بلغ الرضيع لهم فطاما –تخر له الجبابرة ساجدين) أولئك هم رجال الإصلاح[20]...».
مِنْ آثاره وآثارِ إخوانه المصلحين في نفوس الأمّة الجزائريّة:
ثم يقول عن أثرهم الحسن في الناس: «وقد أثَّرَ سعيهم في نفوس أبناء الجزائر تأثيرًا حسنًا فانتبهوا من نومتهم الثقيلة الطويلة وصاروا لا يؤمنون ولا يصدقون إلاَّ بما يوافق ما صرح به القرآن أو نطقت به السنة ولا ينطق القرآن والسنة إلا بما يصلح شأن الدين والدنيا وصاروا يبغضون كلَّ طريق إلا الطريق التي سار عليها محمد (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه وعرفوا أن سبب انحطاطهم هو انحرافهم عنها وتنبَّهُوا للغشاوة التي جعلها الدجالون على الأعين من أن صوابه خطأ وخطأه كفر ليصدوا بذلك المؤمنين عن فهم كلام ربهم حتى يشتغلوا بخمرات أشياخهم فيصبحوا بذلك غنم الشيطان وغنم الأشياخ وحبسًا لهما وما غنمهما إلاَّ الخرافيون.... »اهـ.
3 ـ وقد تعرّض «الشيخ علي بن عمارة» لبعض كفريات «عاشور»، حينما كتبَ في: «تفنيد إشاعة خاصة وإرشاد عام لبني الإسلام»[21]: «حول شائعة عدم وجوب الزكاة» على لسان أحد شيوخ طولقة، وأفاض في بيان: «مكان هذا الركن من أركان الدين»! ومما قاله: «...حكم فيه[تعالى] بنفسه وبيّن مصرفه في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾[التوبة:60]الآية. وهل كفانا هذا الحكم من الباري جلَّ وعلا وهل أذعنَّا إليه؟ كلاَّ-بل ادعى قوم أن الزكاة مختصة بهم ولا تجوز لغيرهم...لو عددتُ لك يا أخي ما نرى ونسمع من البدع والأحكام المخترعة لكفرني القوم..رحماك يا رب..ولنقص عليك شيئًا من المخترعات: حلَّ بقُرى الزَّاب رجل يدعى بعاشور أو كليب الهامل فسأله بعض بأنك ادعيت أن ابن عبد الرحمن هو اللوح والكرسي فأجابه بأن اللوح مخلوق والكرسي مخلوق بل ابن عبد الرحمن هو الله هو الله هو الله كرَّرَها ثلاثًا في ملإٍ من الناس وأنا أسمع. تأملوا إخواني وسنعود للرحلة العاشورية إن شاء الله.... ».
دعوتُهُ للتَّفاهم ونَبْذِ الخلاف:
ثمَّ يُوَجِّهُ الشيخُ دعوةً خالصةً إلى الخاصّة لأجل التفاهم، ونبذ الخلاف، فيقول: «إذًا فلنوجه نداءنا إلى العلماء والأدباء والكتاب...وأقول هلُمُّوا تَعَالَوْا نُلَبِّي الدعوة الدينية ونعقد الخناصر ونيات القلوب على الرجوع إلى الحقيقة حيث كانت وعلى التنازل لبعضنا في فهمها وأن لا تأخذنا العزة النفسانية والخرافات الشيطانية. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾[الحُجُرات:10].
وإذا تنازعنا في شيء فهذا كتاب الله تعالى وسنة نبيّه (صلى الله عليه وسلم) بين أيدينا. نرده إليهما امتثالا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾[النساء:59].
وبعد فهم هاته الآية لا تقبل حجة من يدلي بها من كلام والده أو جده مالم توافق القواعد الشرعية ويد الله مع الجماعة...».
الشيخُ يُوضِّحُ:سَبَبَ الخلاف ومنشأَ الفتنة:
ثمَّ يبيِّنُ الشيخُ بصراحةٍ مَا هي أسبابُ الخلاف، ومَنْ هم مُوقِدُو الفتنة، فيقول: «وأمَّا نحن اليوم فقد اشتغل الكثير منَّا بالأباطيل والأكاذيب والعجب والكبر والزور والبهتان والتقليد الأعمى ولا ننسى حب استرقاق العباد بالرياسة الموهومة إن لم نقل هي الطامة الكبرى والقاضية على مجد الإسلام فباؤوا بخسران مبين (وكلٌّ يدَّعِي وصلاً بليلى) ولا تلمني أيها القارئ إن قلت باؤوا بعمى البصائر والأبصار ورجعوا القهقرى إلى السقوط والدمار... »اهـ.
ختم دروس التفسير:
كانت للشيخ خطبٌ ودروسٌ متواصلة يُلقيها في «جامع الشيخ محمد بن عزّوز»، ومنها درسُ التفسير، الذي دام سنواتٍ عدَّة، إلى أن كان يومُ الختم، والاحتفال العظيم الذي أقيم لمناسبتِهِ في28رمضان1350هـ، وقد حضره جُلُّ أعيان البلد، وفي مقدمتهم العلماءُ والمصلحون، وقد كتبتْ عنه: «النجاح» في [العدد (1277)،الأحد29شوال1350هـ/6مارس1932م/(ص:3)]، وألقى فيه إمام الجامع خطابًا حثَّ فيه الحاضرين على طلب العلم وشكر الأستاذ، ومما جاء فيه: «...وفي الختام أقدم خالص تشكراتنا القلبية لحضرة أستاذنا الشيخ علي بن عمارة كم له مزية على الأمة المحمدية وكم قلوب أزال صدأها وكم مشكلة حلَّ خبيها وأجلاها فهذا تفسير الكتاب المجيد الذي سارت بفضائله الركبان قد أبدع فيه بفصاحته يفوق سحبان ولا غرابة أن يفتخر به «البرج» وما حوله من القرى والمداشر وأنتم أيها السادات أهالي«البرج» فقد حزتم فضلاً كبيرًا على غيركم بمجاورة هذا الرجل العظيم الذي لا زال يسعى في مصالحكم، ما دمتم في طاعته أحيانا الله وإياكم حياة العز والهناء والسلام»اهـ.
مُصابُ المصلحين بحادثَةِ وفاتِهِ الأليمة:
ـ كتبت «النجاح» [العدد(1509)الأحد15شعبان1352هـ/3دسامبر1933م/(ص:2)]
تحت عنوان:
««إنا لله وإنا إليه راجعون» تعدَّدَتْ الأسباب والموت واحد»:
«نَعَتْ لنا أخبار«برج طولقة» وفاة العالم الألمعي الشيخ علي بن عمارة المدرس بالبرج وقد كانت وفاته مدهشة ومؤثرة للغاية لما كان عليه المرحوم من الكمال(!) وطهارة الضمير وحسن الأخلاق كانت وفاته فجئية ومؤثرة وسببها خلافٌ حدث بينه وبين بعض الأوباش من صغار سائقي السيارات في شأن حمل بعض السلع من«البرج» إلى«بسكرة» فجاهره صاحب السيارة بعدم قبول الحمل مدعيا بأنه لو لم تكن الضرورة لما جاء إليه[22] فكانت عاقبة الأمر أن حَمَلَ صاحب السيارة على المرحوم بمُدْيَة فاستشهد[إن شاء الله تعالى][23]. حزن لهذا الخبر جميع أهل الناحية ومن يعرف الفقيد وما عليه من المكانة العلمية والأخلاقية فقد كَرَعَ من مناهل العرفان بالمعهد الزيتوني وأحرز على شهادة «التطويع» ورجع يَبُثُّ العلم بواسطة دروس لا تنقطع وقد امتاز المرحوم بصفاء الضمير وكرم السجايا والانقطاع للعلم ونشره فنحن إزاءَ هذه الرزية العلمية نقدم تعازينا الحارة لرجال العلم وأقاربه وذَوِيهِ راجين لهم الصبر والسلوان على القضاء والقدر الذي لا مردَّ له فإنا لله وإنا إليه راجعون».
ـ وكتبت «الصراط» [العدد(12)الاثنين16شعبان1352هـ/4ديسمبر1933م/(ص:5)]تحت عنوان:
«رِزْءٌ فَادِحٌ وخَطْبٌ أَلِيمٌ!»:
«فُجِعَتْ الكتلة الإصلاحية بانهيار ركن من أركانها بوفاة العلاَّمة المصلح الشيخ علي بن عمارة البرجي، الذي وافاه الأجل المحتوم يوم السبت الفائت في بلده «برج طولقة» على يد شقي دفع به الجهل على أن يستل خنجره ويغمده في بطن الأستاذ لشجار بسيط على حمل بضاعة، من «البرج» إلى «بسكرة» (!) وهكذا الجهل يُعمي صاحبه ويرمي به في أسفل دركات الشقاوة من غير تدبر في عاقبة ما يصدر منه، ومن أين للجاهل أن يتدبر عواقب الأمور؟...ويا لله لهذه الطائفة المصلحة كم تنزل بأفرادها الضربات القاسية من يد أبناء جلدتها الجاهلين المخدوعين ومن يد غيرهم!!!
لقد كان الأستاذ المرحوم الشيخ علي بن عمارة من حملة العلم الصحيح والتفكير الناضج والغيرة المتَّقِدَة، رحل إلى تونس في طلب العلم فمكث فيها ما شاء الله، ولما حصل على شهادة العالمية من جامع الزيتونة المعمور رجع إلى وطنه وكلُّه أمل، وكل حركاته نشاط وعمل، حتى إذا بدأت الحركة الإصلاحية في شكلها الحاضر بدأ معها بعلمه وفكره وقلمه وماله، فكانت له مواقف شريفة تشهدُ له بالوطنية الصادقة والإخلاص المتناهي، وها هو يُقضى شهيدًا[إن شاء الله تعالى] في وقتٍ كانت الحاجةُ إلى صراحته وصلابته في الحق شديدة. فعزاءً أيها الكتلة المصلحة الكريمة في هذا المصاب الجسيم. وإلى والديه الكريمين وأولاده البررة نتقدم بتعزيتنا الحارة. ورحمة الله لتلك الروح الطاهرة المجاهدة».
ـ وقد نقل الأستاذ الصيد سماعًا: أنَّ الشيخ عبد الحميد بن باديس لما سمع بمقتل الشيخ علي بن عمارة تألم كثيرًا وحزن حزنا شديدًا وكتب عنه مقالاً رحمه الله قال فيه: مات الشجاع ونحن في حاجة إلى الشجعان أمثاله. مات الكريم ونحن في حاجة إلى[الكرام] أمثاله. مات الصريح ونحن في حاجةٍ إلى الصراحة والصدق الخ»[24].
الحواشي :
[1] - جريدة «النجاح»، [العدد(299)، الجمعة8ذو القعدة1344هـ/21ماي1926م، (ص:3)]، مقال: «الفائدة المطلوبة» (6).
[2] - جريدة «النصر» [الأربعاء:09 شعبان1407هـ- 8أفريل1987م، (ص:7).]، سليمان الصيد: «من تاريخنا الثقافي: علي بن عمارة البرجي».
[3] - «النجاح»، العدد(216)، (ص:3)، 10جوليت1925م.
[4] - «المنتقد»، العدد(3)، الخميس 24ذي الحجة1343هـ/16جوليت1925م.
[5] - «مذكرات الشيخ محمد خير الدين» (1/88).
[6] - «صدى الصحراء»، العدد(11)، (ص:2)، 16شعبان1344هـ/1مارس1926م.
[7] - «الشيخ الطيب العقبي ودوره في الحركة الوطنية الجزائرية» (ص:81-83)للأستاذ أحمد مريوش.
[8] - [العدد (8)، 23شوال1345هـ/25أفريل1927م، (ص:1)، والعدد(9)، 30شوال1345هـ/2ماي1927م،(ص:2)].
[9] - وهو من الشيوخ المعادين لدعوة «الإصلاح»، وله كتاباتٌ معارضة في صحيفة «النجاح»، توفي ببلدته:«أورلال»، سنة(1931م).
[10] - العدد(19)، 19محرم1346هـ/18جويلية1927م/(ص:3).
[11] - هو الشيخ السعدوني بن المدني، المتقدم الذكر! وهو صاحب مقالة: الرجوع إلى الكتاب والسنة ضلالة الخ، نَشَرَ ذلك في صحيفة «النجاح»!
[12] - جريدة «النصر» [الأربعاء:09 شعبان1407هـ- 8أفريل1987م، (ص:7).]، سليمان الصيد: «من تاريخنا الثقافي: علي بن عمارة البرجي».
[13] - المصدر نفسُهُ.
[14] - «الشيخ الطيب العقبي ودوره في الحركة الوطنية الجزائرية» (ص: 101)للأستاذ أحمد مريوش.
[15] - «الرسائل المتبادلة بين جمال الدين القاسمي ومحمود شكري الألوسي»(ص:173)لمحمد بن ناصر العجمي.
[16] - «الإصلاح» [العدد: (07)، 7نوفمبر1929م]/بواسطة مقال الأستاذ سليمان الصيد: «من تاريخنا الثقافي: الشيخ علي بن عمارة البرجي»
[17] - جريدة «النصر» [الأربعاء:09 شعبان1407هـ- 8أفريل1987م، (ص:7)]، الأستاذ سليمان الصيد: «من تاريخنا الثقافي: الشيخ علي بن عمارة البرجي».
[18] - في مقالته: «محاربة البدع/إلى طلبة العلم عموما والكتاب منهم خصوصا» /جريدة«صدى الصحراء»، العدد (12)، (ص:2-3).
[19] - «الشهاب» ، العدد(161)، (ص:9-11)، 6ربيع الأول1347هـ/23أوت1928م.
[20] - ومنهم -لا محالةَ- المترجَمُ: الشيخُ «علي بن عمارة البرجي» نفسُهُ.
[21] - «الشهاب» ، العدد(13)، (ص:13-15)، 21رجب1344هـ/4فيفري1926م.
[22] - قال الأستاذ الصيد بشأن هذا الشجار: «والشيخ رحمه الله الذي تربى على الحزم في الأمور وصاحب جد في أعماله لا يداري عندما يرى الأمور معوجّة وغير مستقيمة... »اهـ.
[23] - قال الأستاذ الصيد بشأن هذه الحادثة: «فخرَّ الشيخ على الأرض شهيدًا[إن شاء الله] بالقرب من مسجد الرحبة في برج بن عزوز.... » اهـ.
[24] - ذكر الأستاذ أنه بحث عن كلام ابن باديس هذا في «الشهاب»، فلم يجدهُ!، وجوَّزَ أن يكون كتبه في«الصراط»؟ قلتُ: أمَّا مقالُ«الصراط» ، فقد نقلته قريبًا. وعندي شكٌّ أهو مما كتبه محرّر«الصراط»: الشيخ السعيد الزاهري، ويشاركه في ذلك الطيب العقبي، أو هو لرئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين؛ الشيخ ابن باديس، إذ «الصراط»، جريدةُ الجمعية ولسانُ حالها؟
التعديل الأخير تم بواسطة سفيان الجزائري ; 12-02-2012 الساعة 07:08 PM
|