بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " فإن التأويل يراد به ثلاثة معاني : فالتأويل في اصطلاح كثيراً من المتأخرين هو : صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك(1) . فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهره تأويلا على اصطلاح هؤلاء ، وظنوا أن مراد الله بلفظ التأويل ذلك ، وأن النصوص تأويلا مخالفا لمدلولها لا يعلمه إلا الله أو يعلمه المتأولون . ثم كثيرا من هؤلاء يقولون : تجرى على ظاهرها ، فظاهرها مراد . مع قولهم : إن لها تأويلا بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله ، وهذا تناقض وقع فيه الكثير من العلماء - المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم(2) .
======================
والمعنى الثاني : أن التأويل هو تفسير الكلام ، سواء وافق ظاهره أم لم يوافقه ، وهذا هو التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم ، وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم(3) ، وهو موافق لوقف من وقف السلف على قوله تعالى : (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) "آل عمران : 7" كما نقل ذلك عن ابن عباس ، ومجاهد ، ومحمد بن جعفر ابن الزبير ، ومحمد ابن سحاق وابن قتيبة وغيرهم . وكلا القولين حق باعتبار ، كما قد بسطناه في مواضع أُخر(
4) ، ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا وكلاهما حق(5) .
======================
والمعنى الثالث : أن التأويل : هو الحقيقة التي يؤول الكلام إليها ، وإن وافقت ظاهره ، فتأويل ما أخبر به في الجنة من الأكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك ؛ هو الحقائق الموجودة أنفسها ، لا ما يتصور من معانيها في الأذهان ، ويعبر عنه باللسان ، وهذا هو التأويل في لغة القرآن ؛ كما قال تعالى عن يوسف - عليه السلام - أنه قال : (يا أبت هذا تأويل رءيى من قبل قد جعلها ربي حقا) "يوسف 100" . وقال تعالى : (هل ينظرون إلا تأويله ، يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق) "الأعراف 53 " . وقال تعالى : (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، ذلك خير وأخسن تأويلا) "النساء 59" . وهذا التأويل الذي لا يعلمه إلا الله .
من كتاب الفتوى الحموية الكبرى => لشيخ الإسلام ابن تيمية ((رحمه الله)) . دراسة وتحقيق د.حمد بن عبد المحسن التويجري .
...........................................
(1) ((الدليل يقترن بذلك)) على رأيهم ، وما ذهبوا إليه ، والواقع أنه صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بغير دليل يوجب ذلك .
(2) ظاهر النصوص مراد أو غير مراد ؟ ناقش ذلك الشيخ في القاعدة الثالثة في (التدمرية) ، وأوضح أن لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك . انظر التدمرية ص47 .
(3) الراسخ في العلم : المتمكن فيه تمكنا لا تعرض معه شبهة . انظر لسان العرب (3/18) ، المعجم الوسيط ص343 ، تفسير الطبري (3/184) .
(4) انظر الفتاوى (13/275 ، 284 - 285) ، (5 / 243 ، 347 - 349) (16 / 407 - 422) ، مجموعة الرسائل الكبرى (2 /17 - 21) التدمرية ص 90 - 96 .
(5) أي : الواقف على لفظ الجلالة : (وما يعلم تأويله إلا الله) ، والقف على (في العلم) ، انظر تفسير الطبري (3 /182 - 183)