البرُّ والتقوى هو إيثار ما يبقى على ما يفنى
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد:
فهذا تعليق يسير على حديث يتداوله كثير من الناس ، وخاصة الوعاظ والمذكرون، وقد أفردته بالتخريج والبيان وأحببت تلخيصه في هذا المقال.
أسأل الله التوفيق والسداد والهدى والرشاد.
عن أبى هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من طلب الدنيا أضر بالآخرة ، ومن طلب الآخرة أضر بالدنيا)) فسمعته قال : ((فأضروا بالفاني للباقى)) .
رواه ابن أبي عاصم في الزهد(ص/78رقم161) بسند حسن. [الصحيحة: 3287].
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال : "من أراد الآخرة أضر بالدنيا ، ومن أراد الدنيا أضر بالآخرة . يا قوم ، فأضِرُّوا بالفاني للباقي .
إنكم في زمان: كثير علماؤه ، قليل خطباؤه ، كثير معطوه ، قليل سؤاله ، الصلوات فيه طويلة ، والخطبة فيه قصيرة .
وإنَّ من ورائكم زماناً: كثير خطباؤه ، قليل علماؤه ، كثير سؤاله ، قليل معطوه ، الصلاة فيه قصيرة ، والخطبة فيه طويلة ، فأطيلوا الصلاة ، وأقصروا الخطب ، إن من البيان سحراً".
رواه ابن أبي شيبة في المصنف(7/103رقم34519) ، وهناد في الزهد (2/355) ، والطبراني في الكبير(9/108رقم8566) ، وأبو نعيم في الحلية(1/138) ، والحاكم في المستدرك(4/482) والبيهقي في الشعب(7/376) وغيرهم .
وإسناده حسن وهو أثر صحيح له طرق عديدة .
والمراد بهذا الحديث والأثر أن تقديم الدنيا على الآخرة فإنه يضر به في الآخرة ، ويورده المهالك .
لأن من قدم الدنيا وما فيها من ملذات وشهوات على الآخرة أداه ذلك لارتكاب المحرمات والمنهيات ، وأقل ما يؤدي إليه ذلك هو تثبيطه عن فعل الحسنات والمسابقة في الخيرات .
فليس المراد بهذا الحديث هو تحريم ما أحل الله وأباحه من أمور الدنيا المباحة والتي ليست وسيلة لعبادة وطاعة .
قال الحافظ ابن حبان مبوباً على هذا الحديث : [ذكر الإخبار بأن الإمعان في الدنيا يضر في العقبى كما أن الإمعان في طلب الآخرة يضر في فضول الدنيا].
وقال العلامة ابن رجب -رحمه الله- : [وقد ذم الله تعالى من يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة ، كما قال:{كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون الآخرة} ، وقال: {وتحبون المال حباً جَمّاً}، وقال: {وإنه لِحُبِّ الخير لشديد}، والمراد حبُّ المال ، فإذا ذم من أحب الدنيا دل على مدحِ منْ لا يحبها ، بل يرفضها ويتركها] . جامع العلوم والحكم(2/207).
ففي الحديث ذمُّ من يؤثر الدنيا ويقدمها على الآخرة ، ومدح من يؤثر الآخرة ويقدمها على الدنيا .
والعلة في ذلك أن الدنيا فانية زائلة راحلة كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-
والآخرة هي الباقية فالعاقل اللبيب هو الذي يؤثر الباقي على الفاني ، والذي يؤثر ما يبقى على ما يزول ويفنى .
قال تعالى:{وللآخرة خير لك من الأولى} والأولى هي الدنيا .
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد .
كتبه:
أسامة بن عطايا بن عثمان العتيبي
9/ 5/ 1437هـ
وأصل هذا المقال كتبته بتاريخ 27/ 6/ 1423هـ