البرُّ والتقوى هو إيثار ما يبقى على ما يفنى "تخريج حديث من أحب دنياه أضرّ بآخرته"
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد:
فهذا تخريج لحديث يتداوله كثير من الناس ، وخاصة الوعاظ والمذكرون ، وقد مرَّ معي أثناء كتابتي لبحثي : " الأحاديث التي تراجع الشيخ الألباني عن تضعيفها في السلسلة الصحيحة" فأحببت إفراده بالتخريج والبيان .
أسأل الله التوفيق والسداد والهدى والرشاد.
تخريجه
روي هذا الحديث مرفوعاً وموقوفاً .
أما المرفوع فمن حديث أبي هريرة ومن حديث أبي موسى -رضي الله عنهما-
وأما الموقوف فمن قول ابن مسعود -رضي الله عنه- وروي عن عمر -رضي الله عنه-.
تخريج المرفوع
أولاً : حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- .
رواه ابن أبي عاصم في الزهد(ص/78رقم161) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبى هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من طلب الدنيا أضر بالآخرة ، ومن طلب الآخرة أضر بالدنيا)) فسمعته قال : ((فأضروا بالفاني للباقى)) .
وسنده حسن لحال محمد بن عمرو بن علقمة المدني .
فقد وثقه ابن معين –في روايةٍ- ، بل قدمه على محمد بن إسحاق ، ووثقه النسائي ، وقال يعقوب بن شيبة: هو وسط وإلى الضعف ما هو .
وقال أبو حاتم : صالح الحديث ، يكتب حديثه ، وهو شيخ.
وصحح له الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم.
وروى عنه شعبة ، ويحيى القطان ، ومالك بن أنس .
وخرج له البخاري مقروناً ، ومسلم في المتابعات واحتج به الباقون .
قال الذهبي في الميزان : "شيخ مشهور حسن الحديث مكثر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، قد أخرج له الشيخان متابعة" .
وقال الحافظ ابن حجر: صدوق له أوهام.
انظر تهذيب الكمال(26/212-217) وتهذيب التهذيب وتقريبه.
وحسنه الشيخ الألباني في الصحيحة(7/849-850رقم3287) ونقل كلام الذهبي المذكور وقول الحافظ في التقريب..
ثانياً : حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- .
رواه أحمد في مسنده(4/412) ، وعبد بن حميد في مسنده(ص/198رقم568) ، وابن أبي عاصم في الزهد(ص/78رقم162) ، والبزار في مسنده(8/71رقم3067) ، وابن حبان في صحيحه(2/486رقم709) ، والحاكم في المستدرك(4/308، 319) ، والبيهقي في السنن الكبرى(2/370) ، وفي الشعب(7/288) ، وفي الزهد الكبير(ص/187-188رقم451) ، وفي الآداب(ص/501) ، والقضاعي في مسند الشهاب(1/258-259رقم418) ، والبغوي في شرح السنة(14/238-239رقم4038) ، وغيرهم
من طريق: المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ((من أحب دنياه أضر بآخرته ، ومن أحب آخرته أضر بدنياه ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى))
وهذا إسناد ضعيف المطلب لم يسمع من أبي موسى -رضي الله عنه- .
وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين ورده الذهبي بقوله: فيه انقطاع.
وضعفه الشيخ الألباني لذلك في ضعيف الجامع(رقم5340) وفي الضعيفة(5650). ثم تراجع عن ذلك فحسنه بشاهده من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- كما سبق .
وأما الموقوف :
1/ فأما أثر ابن مسعود -رضي الله عنه- فروي عنه من طرق أذكر بعضها :
الطريق الأول :
رواه ابن أبي شيبة في المصنف(7/103رقم34519) ، وهناد في الزهد (2/355) ، والطبراني في الكبير(9/108رقم8566) ، وأبو نعيم في الحلية(1/138) ، والحاكم في المستدرك(4/482) والبيهقي في الشعب(7/376) وغيرهم .
من طريق أبي قيس الأودي عن هزيل بن شرحبيل عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال :
"من أراد الآخرة أضر بالدنيا ، ومن أراد الدنيا أضر بالآخرة . يا قوم ، فأضِرُّوا بالفاني للباقي .
إنكم في زمان: كثير علماؤه ، قليل خطباؤه ، كثير معطوه ، قليل سؤاله ، الصلوات فيه طويلة ، والخطبة فيه قصيرة .
وإنَّ من ورائكم زماناً: كثير خطباؤه ، قليل علماؤه ، كثير سؤاله ، قليل معطوه ، الصلاة فيه قصيرة ، والخطبة فيه طويلة ، فأطيلوا الصلاة ، وأقصروا الخطب ، إن من البيان سحراً".
وإسناده حسن وهو أثر صحيح له طرق عديدة .
الطريق الثاني:
رواه هناد(2/353رقم664) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية(5/95) من طريق العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "من طلب الآخرة أضر بالدنيا ، ومن طلب الدنيا أضر بالآخرة ، فأضروا بالفاني للباقي" .
وسنده صحيح.
الطريق الثالث:
رواه وكيع في الزهد(1/301رقم72) ، وابن أبي شيبة في المصنف(7/108رقم34561) ، وهناد في الزهد(2/353) من طريق الأعمش عن إبراهيم قال: قال عبد الله –يعني ابن مسعود- : "من أراد الدنيا أضر بالآخرة ، ومن أراد الآخرة أضر بالدنيا".
وسنده صحيح ، ورواية إبراهيم عن ابن مسعود صحيحة .
2/ وأما أثر عمر -رضي الله عنه- :
رواه أحمد في الزهد(125-126) وأبو نعيم في الحلية(1/49-50) من طريق شجاع بن الوليد عن خلف بن حوشب أن عمر -رضي الله تعالى- عنه قال: "نظرت في هذا الأمر فجعلت إذا أردت الدنيا أضر بالآخرة ، وإذا أردت الآخرة أضر بالدنيا ، فإذا كان الأمر هكذا فأضروا بالفانية" .
وإسناده ضعيف ؛ خلف بن حوشب لم يدرك عمر -رضي الله عنه- .
والخلاصة
أن الحديث حسنٌ مرفوعاً ، صحيح موقوفاً على ابن مسعود -رضي الله عنه- .
معنى الحديث والأثر
والمراد بهذا الحديث والأثر أن تقديم الدنيا على الآخرة فإنه يضر به في الآخرة ، ويورده المهالك .
لأن من قدم الدنيا وما فيها من ملذات وشهوات على الآخرة أداه ذلك لارتكاب المحرمات والمنهيات ، وأقل ما يؤدي إليه ذلك هو تثبيطه عن فعل الحسنات والمسابقة في الخيرات .
فليس المراد بهذا الحديث هو تحريم ما أحل الله وأباحه من أمور الدنيا المباحة والتي ليست وسيلة لعبادة وطاعة .
قال الإمام ابن حبان مبوباً على هذا الحديث : [ذكر الإخبار بأن الإمعان في الدنيا يضر في العقبى كما أن الإمعان في طلب الآخرة يضر في فضول الدنيا].
وقال العلامة ابن رجب -رحمه الله- : [وقد ذم الله تعالى من يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة ، كما قال:{كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون الآخرة} ، وقال: {وتحبون المال حباً جَمّاً}، وقال: {وإنه لِحُبِّ الخير لشديد}، والمراد حبُّ المال ، فإذا ذم من أحب الدنيا دل على مدحِ منْ لا يحبها ، بل يرفضها ويتركها] . جامع العلوم والحكم(2/207).
ففي الحديث ذمُّ من يؤثر الدنيا ويقدمها على الآخرة ، ومدح من يؤثر الآخرة ويقدمها على الدنيا .
والعلة في ذلك أن الدنيا فانية زائلة راحلة كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-
والآخرة هي الباقية فالعاقل اللبيب هو الذي يؤثر الباقي على الفاني ، والذي يؤثر ما يبقى على ما يزول ويفنى .
قال تعالى:{وللآخرة خير لك من الأولى} والأولى هي الدنيا .
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد .
كتبه:
أسامة بن عطايا بن عثمان العتيبي
كتبت المقال بتاريخ 27/ 6/ 1423هـ