محاضرة الشيخ أبي عبد الحق عبد اللطيف بن احمد الكردي (حفظه الله)
بتاريخ 9 / جمادي الاخرة /1432 من الهجرة النبوية
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمداً عبده ورسوله ، أما بعد فان خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد (صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم) وشر الامور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وبعد:
أقوم في مقامي هذا لاجل التذكير لا لاجل التعليم وتكون كلمتي ان شاء الله تذكيراً لي ولاخوتي واحبتي واسال الله (جل وعلا) ان يرزقنا الاخلاص والصواب وحسن الختام ، انتم تعلمون بارك الله فيكم ان الله (جل وعلا) خلق الجن والانس لعبادته ومن العبادات العظيمة التي كلفنا الله (جل وعلا) بها هي عبادة الاخوة في سبيل الله (جل وعلا): (أوثق عرى الايمان الحب في الله والبغض في الله)(1) ، الحب في الله عبادة عظيمة كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: (ما تواد اثنان الا كان افضلهما اشدهما حباً لصاحبه)(2) الافضل عند الله هو الذي يحب صاحبه اكثر من الاخر ، ولذا فمن ثمار هذه العبادة العظيمة التي هي الاخوة في الله ان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله: (رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه)(3) ، رجلان تحابا في الله قاما بهذه العبادة العظيمة المحبة في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ولذا نجد ان من يغبطهم الانبياء والشهداء هم الذين تابوا في الله (جل وعلا) ، (المتحابون في الله يكونون يوم القيامة على منابر من نور يغبطهم الانبياء والشهداء)(4) ويقول الله (جل وعلا) في الحديث القدسي: (اين المتحابون بجلالي اين المتزاورن فيّ)(5) اين هم ؟ ينوه الله (سبحانه وتعالى) بشانهم لعظم درجتهم ومنزلتهم عنده (سبحانه وتعالى) ، فهذه المحبة في الله عبادة عظيمة كما ذكرنا وهذه العبادة ينبغي ان يكون المسلم مخلصاً فيها متبعاً لسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيها كذلك فمن لم يحب في الله بان تكون محبته لغير الله (جل وعلا) لعرض من الدنيا او لمصلحة من المصالح فلا شك ان هذا لا يشمله كل هذه الفضائل المذكورة في الاحاديث المتقدمة ، وكذلك ينبغي ان تكون هذه العبادة موافقة لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فالنبي عليه الصلاة والسلام وضع حقوقاً على المسلم لاخيه وحذّره من ما يفسد هذه المحبة وهذه الاخوة واذا تاملنا نصوص الكتاب والسنة نجد اهتماماً كثيراً بهذه العبادة كيف نقوم بها ؟ ما هي الحقوق الواجبة علينا تجاه اخواننا ؟ كيف اتعامل مع اخي ؟ واذا حصل بيني وبينه شيء من الشحناء والبغضاء كيف نصلح ذات البين ؟ ومن هذه النصوص قوله عليه الصلاة والسلام: (الا انبئكم بافضل من درجة الصيام والقيام والزكاة ؟ ) الا انبئكم ؟ ما هو الجواب ؟ اذا سئلنا بالاستفهام والنفي ، الجواب: بلى ، الصحابة رضوان الله عليهم قالوا بلى يا رسول الله ، افضل من درجة الصيام والقيام والزكاة ؟ ما هي الدرجة التي هي افضل من هذه العبادات ؟ الصلاة عمود الدين ، والقيام والصيام ، ما هو الشيء الذي هو افضل من هذه الامور ؟ قالوا بلى يا رسول الله ، قال : اصلاح ذات البين) (6) ، وفي حديث اخر: (فان افساد ذات البين هي الحالقة ولا اقول انها تحلق الشعر وانما تحلق الدين)(7) ، اذاً ينبغي لنا ويجب علينا ان نزن انفسنا بميزان هذه النصوص الشرعية ، هل انا من الذين يسعون لاصلاح ذات البين ؟ ام انا من الذين يسعون لافساد ذات البين ؟ انت يا اخي تسعى لاصلاح ذات البين ام تسعى لافساد ذات البين ؟ هدفك اخي الحبيب الغلبة والانتصار على اخيك واظهار نفسك ام هدفك اصلاح ذات البين ؟ هدفك اصلاح هذه الرابطة الايمانية الاخوية الدينية ماذا تقصد لان الله جل وعلا قال: (ان يريدا اصلاحاً يوفق الله بينهما)(8) ، ان يريدا اصلاحاً ، اذاً الاصلاح والتوفيق بين الاخوة واصلاح ذات البين ينبني على ماذا ؟ على ارادة الطرفين ، ان يريدا ، ان اراد كل واحد منا الاصلاح والاخوة والمحبة فلا شك ان الله (جل وعلا) يوفقنا ويوفق بيننا ويصلح ذات بيننا اما ان اراد احد منا غير ما يريد الله (جل وعلا) منا فلا شك ان الشيطان يفرح بالفجوة والفرقة والشحناء وتعلمون بارك الله فيكم انه لا ينبغي لمؤمن (ان يهجر اخاه فوق ثلاث)(9) ، الا لماذا كما تعلمون ؟ الا لامرٍ ديني كهجر مبتدعاً فهذا على الدوام ، اما ان تهجر اخيك الذي هو معك على الجادة وعلى المنهج الصحيح تهجره وتلتقي به ولا تسلم عليه فلا شك ان هذه معصية عظيمة خطيرة ولذا فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام: (ان من هجر اخاه سنة فهو كسفك دمه)(10) والحديث في صحيح الادب المفرد ، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام من الوعيد في هذا الباب: (من هجر اخاه فوق ثلاث فمات دخل النار)(11) ، نسال الله العافية ، وكذلك قوله عليه الصلاة: (تعرض اعمال العباد على الله كل يومين اثنين والخميس فيغفر لهم فيقال انظروا هذين حتى يصطلحا الا رجلين متشاحنين متخاصمين)(12) ، انظروا هذين حتى يصطلحا ، انظروا ايها الاخوة عدم الصلح يمنع العفو والمغفرة من الله (جل وعلا) لانه لما تعرض الاعمال على الله يومين اثنين والخميس فيغفر لكل عبد لم يشرك بالله الا رجلاً بينه وبين اخيه شحناء مع انه ليس مشركاً مع انه مستقيم على الجادة فيقال انظروا هذين حتى يصطلحا ، اذاً عدم الاصطلاح هو سبب الحرمان من مغفرة الله (جلا وعلا) وعفوه وصفحه وكرمه ، وقوله عليه الصلاة والسلام : (وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)(13) ، اذاً الذي يبدأ بالسلام والذي يسعى أكثر لاصلاح ذات البين لا شك انه خيرهما عند الله (جل وعلا) ونحن بشر يا اخوة و(كل بني آدم خطاء)(14) ، ما منا من احد الا وقد يخطأ او وقد اخطا اخطاءً كثيرة وما منا الا ويذنب ويعصي الله (جل وعلا) ويقصّر في حق اخيه ولكن ما العلاج ؟ اذا حصل بيني وبين اخي شيء من الشحناء ما هو العلاج ؟ العلاج هو ان اضخم واعظم الزلات ؟ ام العلاج الصفح والعفو وستر العيوب والتواضع لله (جل وعلا) ؟ وما ازداد عبد بعفو الا عزاً ، ما تواضع احد لله الا رفعه الله (سبحانه وتعالى): (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)(15) ماذا يريد منا ربنا جل وعلا ؟ يريد منا ان نكون هكذا ايها الاخوة نعم قد يحصل مني تقصير اومنك تقصير وبسب هذا التقصر يدخل الشيطان كما قال عليه الصلاة والسلام: (ما تواد اثنان ثم فرق بينهما الا بذنب يحدثه احدهما)(16) الا بذنب ، فسبب الفرقة والاختلاف هو الذنوب ، الذنوب التي ارتكبها انا او ترتكبها انت لكن كيف نتعامل مع هذه الذنوب التي فرقت بيننا ؟ نستغفر الله اولاً ، ثم نتوب اليه منها ، ثم نعفو عن الزلات ، ثم نحسن الظن باخواننا ونحمل ما بدر منهم وما ظهر منهم على احسن محمل ، ونفسر كلامهم تفسيراً حسناً ، اما ان اكون لاخي بالمرصاد أحصي كل ما فعل وقال مما لا يلائمني ويناسبني واضخّم عليه الامور والزلات لا شك انه كما يقول الشاعر:
انك ان كنت معاتبا اخاك في كل الامور لم تلق الذي لا تعاتبه
اذاً نعاتب اخانا ونحاسبه على كل ما اخطا فيه لا شك انك لا تلقى من لا تعاتبه ، لا تلقى من تصاحبه لماذا ؟ لانه لا يوجد من لا يخطئ سوى المعصوم عليه الصلاة والسلام فأحبتي في الله قلت هذا من باب التذكير والله ليس من باب التعليم وكلكم يعلمون هذه النصوص التي ذكرتها ولكن اذكّر بشيء عظيم وهو اننا في زمن كثرت فيه الفرق والاحزاب المخالفة لاهل السنة والجماعة فاصبح اهل السنة والجماعة غرباء بين الناس ، فهذه الدعوة التي تحملناها هي دعوة غريبة ، والمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه ، انت وحدك لا تستطيع ان تقوم بهذه المهمة يا اخي والله (سبحانه وتعالى) كان يرسل نبياً ويعززه بثاني ثم بثالث ، اذاً انت قوي باخوانك ونحن نعلم هذه المحاربة الخبيثة من قبل المبتدعة والقبوريين والعلمانيين ، المحاربة لاهل السنة والجماعة ، ونحن غرباء فاذا لم يرفق بعضنا ببعض اصحاب المنهج الصحيح ولم يعفو بعضنا لبعض ولم يتواضع احدنا للاخر لا شك اننا لا نستطيع القيام بهذه المهمة العظيمة ولا ننسى اننا خلقنا لمهمة عظيمة ، نحن اهل السنة والجماعة نقول نحن اتباع الانبياء ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يدعوا ليل نهار الى توحيد الله يدعوا الى الصراط المستقيم فكيف نستطيع ان نقوم بهذه المهمة ، مهمة الدعوة الى الله (جل وعلا) والدعوة الى السنة والتحذير من الشرك والبدعة ونحن فيما بيننا متفرقون والله لا نستطيع بل يشغلنا الشيطان يشغل بعضنا ببعض ننشغل فيما بيننا على امور تافهة حقيرة وننسى المهمة العظيمة التي هي الدعوة الى التوحيد والسنة التي هي الرد على اهل الاهواء والبدع .
فبارك الله فيكم مهمتنا ثقيلة وهذا العبء الثقيل يحتاج الى تعاون على البر والتقوى وهذا التعاون لا بد ان يقوم على اساس متين من الاخوة في سبيل الله (جل وعلا) وتجنب ما يفسد الاخوة كما ذكرنا من إساءة الظنون وكذلك من كشف العيوب وكذلك من حمل الكلام على ما لا يحتمل او على اسوء المحامل ، وكذلك عدم الاعتذار لاخوانك فينبغي ان نتحلى بهذه الحقوق التي علينا تجاه اخواننا لكي نستطيع جميعاً القيام بهذه المهمة العظيمة .
واقول اخيراً نحن ندعوا الى جمع الكلمة واصلاح ذات البين بين اخواننا اصحاب المنهج الصحيح وهذا امر ثقيل والله كما قال عبده ، ذكر الامام ابن كثير (رحمه الله) قال: ذهب عبدة ابن ابي لبابة الى مجاهد فصافحه فقال مجاهد: ذكر له حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (ما لقي مسلم اخاه فاخذ بيده فصافحه الا تناثرت عنهما الخطايا كما تتناثر اوراق الشجر) فقال عبده: اذاً هذا يسير اذا تناثرت ذنوبنا وخطايانا بسب المصافحة ؟ هذا امر يسير قال لا والله ليس بيسير الم تسمع قول الله جل وعلا: (لو انفقت ما في الارض جميعاً ما الفت بين قلوبهم)(17) فالتاليف بين القلوب ليس بالامر الهين والله (جل وعلا) هو الذي يؤلف بين القلوب بمنه وفضله وكرمه .
فنسال الله (جل وعلا) ان يؤلف بين قلوبنا ويصلح ذات بيننا وهذا ما نصبوا اليه ونسعى اليه وانا اقول عن نفسي والله اكثركم تقصيراً وعيوباً وذنوباً ، وانا اقول والله الذي خلقني بالحق لا مجاملةً ولا تواضعاً كلنا مذنبون يا اخوة كلنا مقصرون كلنا عندنا جهل فنسال الله ان يغفر لنا ذنوبنا ، لكن نرجوا رحمة ربنا ونحب الله (سبحانه وتعالى) ورسوله ، ونحب السلف الصالح ونقتدي آثارهم وندعو الى ما دعوا اليه ونحب إخواننا اهل السنة بهذه الامور ، نحن نفرح والله (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)(18) ، اذاً يا اخي لا تنظر الى اخيك نظرة العصمة انه اما ان يكون معصوماً واما ان افارقه ولا اصاحبه ، لا يا اخي هو اخوك بما انه يدعو الى ما تدعوا اليه من التوحيد والسنة فماذا فحافظ عليه والعاجز هو الذي يستطيع ان ان يجد له اخاً صالحا اخاً سنيا ناصحاً هذا هو العاجز والاعجز منه من يجد اخوانه من اهل السنة ثم يفرط بهم ، ويفرقهم لا يحرص على جمعهم وجمع كلمتهم هذا رجل عاجل فينبغي يا اخوة ان نتذكر ما دلت عليه هذه النصوص من المعاني العظيمة وان نسعى غاية السعي على تأليف القلوب ، وعلى جمع الكلمة للقيام بهذه المهمة العظيمة بارك الله فيكم اما ان اسعى واحاول لكي ابرز نفسي واحصل على الغلبة على اخي والله ليس خير في هذا والشافعي رحمه الله كان يقول: (ما ناظرت احداً الا وددت ان يظهر الحق على لسانه ، حتى لا يدخل العجب قلبي) ، وكان هدفهم ظهور الحق سواء ظهر على لسانك او لسانهم كلنا نتمسك بهذا الحق فبارك الله بالجميع ونرحب باخواننا الضيوف الذين جاؤوا الى مدرستهم وهي مدرسة الجميع مدرسة اهل السنة والجماعة ان شاء الله وما نحن وانتم الا سواء والله في هذه المدرسة ان شاء الله ونقوم بدعوة واحدة ومرحباً بكم ايها الاخوة واهلاً وسهلاً وانتم اخوة متحابون ان شاء الله وترجعون باذن الله تعالى اخوة متحابين في الله (جل وعلا) ونسال الله ان يصلح ذات البين ويحسن ختامنا ويرزقنا الاخلاص وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى اله وصحبه وسلم .
الحواشي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- حديث صحيح صحه الامام الالباني في كتاب الايمان لابن تيمية .
2- خرجه الالباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة 1 / 733 .
3- صحيح الجامع الصغير للالباني 1/337 .
4- صحيح الترغيب والترهيب للالباني 3/92 .
5- صحيح الترغيب والترهيب للالباني 3/90 .
6- السلسلة الصحيحة للامام الالباني 6/138 .
7- سنن الترمذي ، صحيح غاية المرام للامام الالباني ( 414 ) .
8- النساء آية 35 .
9- صحيح الادب المفرد للامام الالباني 1/167 .
10- السلسلة الصحيح للامام الالباني 2/599 .
11- مشكاة المصابيح 3/91 .
12- ارواء الغليل للامام الالباني 4/105 .
13- ارواء الغليل للامام الالباني 7/92 .
14- صحيح ابن ماجة للامام الالباني 2/418 .
15- آل عمران آية 134 .
16- ارواء الغليل للامام الالباني 8/141 .
17- الانفال آية 63 .
18- يونس آية 58 .