وفي تعظيم النصوص الشرعية وتوقير الرب ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت الطائفة الناجية المنصورة قد ضربت أروع صور التعظيم وكانوا وقّافين عند النصوص الشرعية والأوامر النبوية لا يحابون في ذلك أبا أو أبنا أو أخا أو قريبا أو صديقا؛ بل كانوا أبعد من ذلك في تقديم ما هو دين وشريعة على غيره حتى قالابن كثير ج4/ص330 في تفسير (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ) نزلت في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر".
وقال الشنقيطي فيأضواء البيان ج2/ص200:" تحققت أن الروابط النسبية تتلاشى مع الروابط الإسلامية وقد قال تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وقال وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ولا يخفى أن أسلافنا معاشر المسلمين إنما فتحوا البلاد ومصروا الأمصار بالرابطة الإسلامية لا بروابط عصبية ولا بأواصر نسبية".
وقال أيضا في أضواء البيان ج3/ص42:" فهذه الآيات وأمثالها تدل على أن النداء برابطة أخرى غير الإسلام كالعصبية المعروفة بالقومية لا يجوز ولا شك أنه ممنوع بإجماع المسلمين ومن أصرح الأدلة في ذلك ما رواه البخاري في صحيحه قال باب قوله تعالى يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ حدثنا الحميدي حدثنا سفيان قال حفظناه من عمرو بن دينار قال سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار فقال الأنصاري يا للأنصارا وقالالمهاجري يا للمهاجرينا فسمَّعها الله رسوله قال ما هذا فقالوا كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار فقال الأنصاري يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم دعوها فإنها منتنة...الحديث فقول هذا الأنصاري يا للأنصار وهذا المهاجري يا للمهاجرين هو النداء بالقومية العصبية بعينه والحاصل أن الرابطة الحقيقية التي تجمع المفترق وتؤلف المختلف هي رابطة ( لا إله إلا الله ) ألا ترى أن هذه الرابطة التي تجعل المجتمع الإسلامي كله كأنه جسد واحد وتجعله كالبنيان يشد بعضه بعضاً".
وقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ج1/ص10:" وأهل العلم المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم الناس قياما بهذه الأصول لا تأخذ أحدهم في الله لومة لائم ولا يصدهم عن سبيل الله العظائم بل يتكلم أحدهم بالحق الذي عليه ويتكلم في أحب الناس إليه عملا بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ".
وإليك أخي القاريء الكريم بعض تلك الصور الرائعة التي سطرها السلف (الطائفة الناجية المنصورة) في تعظيم الشريعة:
أولا) أخرج مسلم في صحيحه ج1/ص64:" أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ حَدَّثَ قال كنا عِنْدَ عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ في رَهْطٍ مِنَّا وَفِينَا بُشَيْرُ بن كَعْبٍ فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئِذٍ قال قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ قال أو قال الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ فقال بُشَيْرُ بن كَعْبٍ إِنَّا لَنَجِدُ في بَعْضِ الْكُتُبِ أو الْحِكْمَةِ أَنَّ منه سَكِينَةً وَوَقَارًا لِلَّهِ وَمِنْهُ ضَعْفٌ قال فَغَضِبَ عِمْرَانُ حتى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ وقال ألا أَرَانِي أُحَدِّثُكَ عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتُعَارِضُ فيه قال فَأَعَادَ عِمْرَانُ الحديث قال فَأَعَادَ بُشَيْرٌ فَغَضِبَ عِمْرَانُ قال فما زِلْنَا نَقُولُ فيه إنه مِنَّا يا أَبَا نُجَيْدٍ إنه لَا بَأْسَ بِهِ".
قال النووي في شرح على صحيح مسلم ج2/ص6:" حقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق".
قال ابن حجر في فتح الباري ج10/ص522:" وقال القرطبي معنى كلام بشير أن من الحياء ما يحمل صاحبه على الوقار بأن يوقر غيره ويتوقر هو في نفسه ومنه ما يحمله على أن يسكن عن كثير مما يتحرك الناس فيه من الأمور التي لا تليق بذي المروءة ولم ينكر عمران عليه هذا القدر من حيث معناه وإنما أنكره عليه من حيث أنه ساقه في معرض من يعارض كلام الرسول بكلام غيره وقيل إنما أنكر عليه لكونه خاف أن يخلط السنة بغيرها قلت(ابن حجر) ولا يخفى حسن التوجيه السابق".
وقال أيضا في فتح الباري ج1/ص52:" فإن قيل الحياء من الغرائز فكيف جعل شعبة من الإيمان أجيب بأنه قد يكون غريزة وقد يكون تخلقا ولكن استعماله على وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية فهو من الإيمان لهذا ولكونه باعثا على فعل الطاعة وحاجزا عن فعل المعصية ولا يقال رب حياء يمنع عن قول الحق أو فعل الخير لأن ذاك ليس شرعيا فإن قيل لم أفرده بالذكر هنا أجيب بأنه كالداعي إلى باقي الشعب إذ الحي يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فيأتمر وينزجر".
ثانيا) أخرج مسلم ج1/ص327:" عن بن شِهَابٍ قال أخبرني سَالِمُ بن عبد اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بن عُمَرَ قال سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ إذا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا قال فقال بِلَالُ بن عبد اللَّهِ والله لَنَمْنَعُهُنَّ قال فَأَقْبَلَ عليه عبداللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا ما سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مثله قَطُّ وقال أُخْبِرُكَ عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَقُولُ والله لَنَمْنَعُهُنَّ".
قال النووي في شرح صحيح مسلم ج4/ص162:" وفي رواية فضرب في صدره؛ وفيه تعزير المعترض على السنة والمعارض لها برأيه".
قال ابن حجر في فتح الباري ج2/ص348:" وفسر عبد الله بن هبيرة في رواية الطبراني السب المذكور باللعن ثلاث مرات وفي رواية زائدة عن الأعمش فانتهره وقال أف لك. وأخذ من إنكار عبد الله على ولده تأديب المعترض على السنن برأيه وعلى العالم بهواه وتأديب الرجل ولده وإن كان كبيرا إذا تكلم بما لا ينبغي له وجواز التأديب بالهجران فقد وقع في رواية بن أبي نجيح عن مجاهد عند أحمد فما كلمه عبد الله حتى مات".
ثالثا) أخرج مسلم ج3/ص1547:" عن بن بُرَيْدَةَ قال رَأَى عبد اللَّهِ بن الْمُغَفَّلِ رَجُلًا من أَصْحَابِهِ يَخْذِفُ فقال له لَا تَخْذِفْ فإن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يَكْرَهُ أو قال يَنْهَى عن الْخَذْفِ فإنه لَا يُصْطَادُ بِهِ الصَّيْدُ ولا يُنْكَأُ بِهِ الْعَدُوُّ وَلَكِنَّهُ يَكْسِرُ السِّنَّ وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذلك يَخْذِفُ فقال له أُخْبِرُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يَكْرَهُ أو يَنْهَى عن الْخَذْفِ ثُمَّ أَرَاكَ تَخْذِفُ لَا أُكَلِّمُكَ كَلِمَةً كَذَا وَكَذَا".
وفي رواية لمسلم : " عن سعيد ابن جبير أن قريبا لعبدالله بن مغفل خذف قال فنهاه وقال: إن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن الخذف وقال ( إنها لا تصيد صيدا ولا تنكأ عدوا ولكنها تكسر السن وتفقأ العين ) قال فعاد فقال أحدثك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عنه ثم تخذف لا أكلمك أبدا ".
رابعا) أخرج البخاري ج6/ص2738:" بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من رَبِّكَ وَإِنْ لم تَفْعَلْ فما بَلَّغْتَ رسالته وقال الزُّهْرِيُّ من اللَّهِ الرِّسَالَةُ وَعَلَى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ".
قال ابن حجر في فتح الباري ج13/ص504:" هذا وقع في قصة أخرجها الحميدي في النوادر ومن طريقه الخطيب قال الحميدي حدثنا سفيان قال قال رجل للزهري يا أبا بكر قول النبي صلى الله عليه وسلم ليس منا من شق الجيوب ما معناه فقال الزهري من الله العلم وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم وهذا الرجل هو الأوزاعي".
قال الطحاوي في عقيدته:" فَمَن رَام عِلْمَ ما حُظِرَ عَنْهُ عِلْمُهُ، وَلَمْ يَقْنَعْ بِالتَّسْلِيمِ فَهْمُهُ؛ حَجَبَهُ مَرَامُهُ عَنْ خَالِصِ التَّوْحِيدِ وَصَافِي الْمَعْرِفَةِ وَصَحِيحِ الإِيمَانِ فيتذبذب بين الكفر والإيمان والتصديق والتكذيب والإقرار والإنكار موسوسا تائها زائغا شاكا لا مؤمنا مصدقا ولا جاحدا مكذبا".
خامسا) ذكر الشاطبي في الاعتصام ج2/ص52:" قال رجل للإمام مالك يا أبا عبدالله من أين أحرم قال من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أريد أن أحرم من المسجد فقال لا تفعل, قال إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر؛ قال لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة, قال وأي فتنة في هذا إنما هي أميال أزيدها, قال وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم إني سمعت الله يقول فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ".
سادسا) أخرج الترمذي5/81:"عن نافع: أن رجلا عطس إلى جنب ابن عمر فقال الحمد لله والسلام على رسول الله قال ابن عمر وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله وليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا أن نقول الحمد لله على كل حال". قال الشيخ الألباني : حسن .
سابعا) قال الشيخ الألباني في صفة الصلاة :"روى الطبراني (3/56/1) بسند صحيح عن طلحة بن مصَرِّف قال: زاد ربيع بن خُثَيْم في التشهد [ بعد ] وبركاته:" ومغفرته"! فقال علقمة: نقف حيث عُلِّمنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وعلقمة تلقى هذا الاتباع من أستاذه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ؛ فقد روي عنه أنه كان يعلم رجلاً التشهد، فلما وصل إلى قوله:" أشهد أن لا إله إلا الله "؛ قال الرجل: وحده لا شريك له. فقال عبد الله: هو كذلك، ولكن ننتهي إلى ما عُلِّمنا. أخرجه الطبراني في " الأوسط"(رقم 2848 - مصورتي) بسند صحيح ؛ إن كان المُسَيَّب الكاهلي سمع من ابن مسعود}".
ثامنا) أخرج الإمام أحمد في مسنده ج1/ص337:" عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ الْفُضَيْلِ بن عَمْرٍو قال أُرَاهُ عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ عَنِ بن عَبَّاسٍ قال تَمَتَّعَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال عُرْوَةُ ابن الزُّبَيْرِ نهى أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ فقال بن عَبَّاسٍ ما يقول عُرَيَّةُ قال يقول نهى أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ فقال ابن عَبَّاسٍ أُرَاهُمْ سَيَهْلِكُونَ أَقُولُ قال النبي صلى الله عليه وسلم وَيَقُولُ نهى أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ".
قال ابن حزم في حجة الوداع (ص353) :" والله إنها لعظيمة ما رضي بها قط أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما". وكأن ابن حزم ينفي ثبوت ذلك عنهما .
أما قول ابن عباس " ما يقول عُرَيَّةُ ". فإنه أراد بذلك عروة وإنما ناداه بمعنى اسمه لا بلفظه أو أراد التصغير، والله أعلم . وجاء مثله في صحيح البخاري ج3/ص1239:"عن ابن شِهَابٍ قال أخبرني عُرْوَةُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجَ النبي صلى الله عليه وسلم أَرَأَيْتِ قَوْلَهُ حتى إذا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قد كُذِّبُوا أو كُذِبُوا قالت بَلْ كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ فقلت والله لقد اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ وما هو بِالظَّنِّ فقالت يا عُرَيَّةُ لقد اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ قلت فَلَعَلَّهَا أو كُذِبُوا قالت مَعَاذَ اللَّهِ لم تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذلك بِرَبِّهَا....".
قال بدر الدين العيني في عمدة القاري ج15/ص281: " خاطبته بقولها يا عرية بالتصغير ولكنه تصغير الشفقة والمحبة والدلال وليس تصغير التحقير وأصلها عريوة اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء".
تاسعا) أخرج الإمام مالك في الموطأ ج2/ص634:" عن عَطَاءِ بن يَسَارٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بن أبِي سُفْيَانَ بَاعَ سِقَايَةً من ذَهَبٍ أو وَرِقٍ بِأَكْثَرَ من وَزْنِهَا فقال أبو الدَّرْدَاءِ سمعت رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عن مِثْلِ هذا إلا مِثْلاً بِمِثْلٍ فقال له مُعَاوِيَةُ ما أَرَى بِمِثْلِ هذا بَأْسًا فقال أبو الدَّرْدَاءِ من يَعْذِرُنِي من مُعَاوِيَةَ أنا أُخْبِرُهُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وَيُخْبِرُنِي عن رَأْيِهِ لاَ أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ أنت بها ثُمَّ قَدِمَ أبو الدَّرْدَاءِ على عُمَرَ بن الْخَطَّابِ فذكر ذلك له فَكَتَبَ عُمَرُ بن الْخَطَّابِ إلى مُعَاوِيَةَ أَنْ لاَ تَبِيعَ ذلك إلا مِثْلاً بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ".
قال السيوطي في تنوير الحوالك ج2/ص59:" قال ابن عبد البر: وصدور العلماء تضيق عند مثل هذا وهو عندهم عظيم رد السنن بالرأي قال وجائز للمرء أن يهجر من لم يسمع منه ولم يطعه وليس هذا من الهجرة المكروهة ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس ألا يكلموا كعب بن مالك حين تخلف عن تبوك قال وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع وهجرته وقطع الكلام عنه وقد رأى ابن مسعود رجلا يضحك في جنازة فقال والله لا أكلمك أبدا".
عاشرا) ومن صور تعظيم النصوص الفتوى بلفظ بالنص لا بمعناه ما أمكنه ذلك.
يقول ابن القيم في إعلام الموقعين ج4/ص170: " يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أن يُفْتِيَ بِلَفْظِ النَّصِّ مَهْمَا أمكنه فإنه يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ وَالدَّلِيلَ مع الْبَيَانِ التَّامِّ فَهُوَ حُكْمٌ مَضْمُونٌ له الصَّوَابُ مُتَضَمِّنٌ لِلدَّلِيلِ عليه في أحسن بَيَانٍ وَقَوْلُ الْفَقِيهِ الْمُعَيَّنِ ليس كَذَلِكَ وقد كان الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ والأئمة الَّذِينَ سَلَكُوا على مِنْهَاجِهِمْ يَتَحَرَّوْنَ ذلك غَايَةَ التَّحَرِّي حتى خَلَفَتْ من بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ رَغِبُوا عن النُّصُوصِ وَاشْتَقُّوا لهم أَلْفَاظًا غير ألفاظ النُّصُوصِ فَأَوْجَبَ ذلك هَجْرَ النُّصُوصِ وَمَعْلُومٌ أن تِلْكَ الألفاظ لَا تَفِي بِمَا تَفِي بِهِ النُّصُوصُ من الْحُكْمِ وَالدَّلِيلِ وَحُسْنِ الْبَيَانِ فَتَوَلَّدَ من هِجْرَانِ ألفاظ النُّصُوصِ والإقبال على الألفاظ الحادثة وَتَعْلِيقِ الأحكام بها على الأمة من الْفَسَادِ مالا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ فَأَلْفَاظُ النُّصُوصِ عِصْمَةٌ وَحُجَّةٌ بَرِيئَةٌ من الْخَطَأِ وَالتَّنَاقُضِ وَالتَّعْقِيدِ وَالِاضْطِرَابِ وَلَمَّا كانت هِيَ عِصْمَةَ عُهْدَةِ الصَّحَابَةِ وأصولهم التي إليها يَرْجِعُونَ كانت عُلُومُهُمْ اصح من عُلُومِ من بَعْدَهُمْ وَخَطَؤُهُمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فيه أَقَلَّ من خَطَأِ من بَعْدَهُمْ ثُمَّ التَّابِعُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَى من بَعْدَهُمْ كَذَلِكَ وَهَلُمَّ جَرَّا؛ وَلَمَّا اسْتَحْكَمَ هِجْرَانُ النُّصُوصِ عِنْدَ اكثر اهل الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ كانت عُلُومُهُمْ في مَسَائِلِهِمْ وادلتهم في غَايَةِ الْفَسَادِ وَالِاضْطِرَابِ وَالتَّنَاقُضِ؛ وقد كان اصحاب رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم اذا سُئِلُوا عن مسالة يَقُولُونَ قال اللَّهُ كَذَا قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم كَذَا أوفعل رسول اللَّهِ كَذَا وَلَا يَعْدِلُونَ عن ذلك ما وَجَدُوا إلَيْهِ سَبِيلًا قَطُّ فَمَنْ تامل أَجْوِبَتَهُمْ وَجَدَهَا شِفَاءً لِمَا في الصُّدُورِ فلما طَالَ الْعَهْدُ وَبَعُدَ الناس من نُورِ النُّبُوَّةِ صَارَ هذا عَيْبًا عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ ان يَذْكُرُوا في اصول دِينِهِمْ وَفُرُوعِهِ قال اللَّهُ وقال رسول اللَّهِ أَمَّا اصول دِينِهِمْ فَصَرَّحُوا في كُتُبِهِمْ ان قَوْلَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ في مَسَائِلِ اصول الدِّينِ وَإِنَّمَا يَحْتَجُّ بِكَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فيها الْحَشَوِيَّةُ وَالْمُجَسِّمَةُ وَالْمُشَبِّهَةُ وأما فُرُوعُهُمْ فَقَنَعُوا بِتَقْلِيدِ من اخْتَصَرَ لهم بَعْضَ الْمُخْتَصَرَاتِ التي لَا يُذْكَرُ فيها نَصٌّ عن اللَّهِ وَلَا عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَا عن الإمام الذي زَعَمُوا أنهم قَلَّدُوهُ دِينَهُمْ بَلْ عُمْدَتُهُمْ فِيمَا يُفْتُونَ وَيَقْضُونَ بِهِ وَيَنْقُلُونَ بِهِ الْحُقُوقَ وَيُبِيحُونَ بِهِ الْفُرُوجَ وَالدِّمَاءَ والأموال على قَوْلِ ذلك الْمُصَنَّفِ واجلهم عِنْدَ نَفْسِهِ وَزَعِيمُهُمْ عِنْدَ بَنِي جِنْسِهِ من يَسْتَحْضِرُ لَفْظَ الْكِتَابِ وَيَقُولُ هَكَذَا قال وَهَذَا لَفْظُهُ فَالْحَلَالُ ما أحله ذلك الْكِتَابُ وَالْحَرَامُ ما حَرَّمَهُ وَالْوَاجِبُ ما أوجبه وَالْبَاطِلُ ما أبطله وَالصَّحِيحُ ما صَحَّحَهُ هذا وأنى لنا بِهَؤُلَاءِ في مِثْلِ هذه الأزمان فَقَدْ دُفِعْنَا إلَى أمر تَضِجُّ منه الْحُقُوقُ إلَى اللَّهِ ضَجِيجًا وَتَعِجُّ منه الْفُرُوجُ والأموال وَالدِّمَاءُ إلَى رَبِّهَا عَجِيجًا تُبَدَّلُ فيه الأحكام وَيُقْلَبُ فيه الْحَلَالُ والحرام وَيُجْعَلُ الْمَعْرُوفُ فيه أعلى مَرَاتِبِ الْمُنْكَرَاتِ وَاَلَّذِي لم يَشْرَعْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ من أفضل الْقُرُبَاتِ الْحَقُّ فيه غَرِيبٌ وَأَغْرُبُ منه من يَعْرِفُهُ وَأَغْرُبُ مِنْهُمَا من يَدْعُو إلَيْهِ وَيَنْصَحُ بِهِ نَفْسَهُ وَالنَّاسَ قد فَلَقَ بِهِمْ فَالِقُ الإصباح صُبْحَهُ عن غَيَاهِبِ الظُّلُمَاتِ وأبان طريقة الْمُسْتَقِيمَ من بَيْنِ تِلْكَ الطُّرُقِ الْجَائِرَاتِ واراه بِعَيْنِ قَلْبِهِ ما كان عليه رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وأصحابه مع ما عليه أكثر الْخَلْقِ من الْبِدَعِ الْمُضِلَّاتِ رَفَعَ له عَلَمَ الْهِدَايَةِ فَشَمَّرَ إلَيْهِ وَوَضَّحَ له الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ فَقَامَ وَاسْتَقَامَ عليه وطوبي له من وَحِيدٍ على كَثْرَةِ السُّكَّانِ غَرِيبٍ على كَثْرَةِ الْجِيرَانِ بين أقوام رُؤْيَتُهُمْ قَذَى الْعُيُونِ وَشَجَى الْحُلُوقِ وَكَرْبُ النُّفُوسِ وَحُمَّى الأرواح وَغَمُّ الصُّدُورِ وَمَرَضُ الْقُلُوبِ وَإِنْ أنصفتهم لم تَقْبَلْ طَبِيعَتُهُمْ الإنصاف وان طَلَبْته منهم فَأَيْنَ الثُّرَيَّا من يَدِ الْمُلْتَمِسِ قد انْتَكَسَتْ قُلُوبُهُمْ وعمى عليهم مَطْلُوبُهُمْ رَضُوا بالأماني وَابْتُلُوا بِالْحُظُوظِ وَحَصَلُوا على الْحِرْمَانِ وَخَاضُوا بِحَارَ الْعِلْمِ لَكِنْ بالدعاوي الْبَاطِلَةِ وَشَقَاشِقِ الْهَذَيَانِ وَلَا وَاَللَّهِ ما ابْتَلَّتْ من وَشَلِهِ أقدامهم وَلَا زَكَتْ بِهِ عُقُولُهُمْ وأحلامهم وَلَا ابْيَضَّتْ بِهِ لَيَالِيهِمْ وأشرقت بِنُورِهِ أيامهم وَلَا ضَحِكَتْ بِالْهُدَى وَالْحَقِّ منه وُجُوهُ الدَّفَاتِرِ إذْ بُلَّتْ بِمِدَادِهِ أَقْلَامُهُمْ انفقوا في غَيْرِ شئ نَفَائِسَ الأنفاس واتعبوا أنفسهم وَحَيَّرُوا من خَلْفَهُمْ من ضَيَّعُوا الأصول فَحُرِمُوا الْوُصُولَ وَأَعْرَضُوا عن الرِّسَالَةِ فَوَقَعُوا في مَهَامِهِ الْحَيْرَةِ وَبَيْدَاءِ الضَّلَالَةِ؛ وَالْمَقْصُودُ أن الْعِصْمَةَ مضمونه في ألفاظ النُّصُوصِ وَمَعَانِيهَا في أَتَمِّ بَيَانٍ وأحسن تَفْسِيرٍ وَمَنْ رَامَ إدْرَاكَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ من غَيْرِ مِشْكَاتِهَا فَهُوَ عليه عَسِيرٌ غَيْرُ يَسِيرٍ ".
حادي عشر ) ومن صور تعظيم الشريعة الحذر من دخول ما ليس من الدين فيه.
قال البربهاري في شرح السنة 1/22:" واحذر صغار المحدثات من الأمور فإن صغار البدع تعود حتى تصير كبارا وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيرا يشبه الحق فاغتر بذلك من دخل فيها ثم لم يستطع المخرج منها فعظمت وصارت دينا يدان بها فخالف الصراط المستقيم فخرج من الإسلام فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم أو أحد من العلماء فإن أصبت فيه أثرا عنهم فتمسك به ولا تجاوزه لشيء ولا تختر عليه شيئا فتسقط في النار ".
ومن صور تعظيم الشريعة تمييز صحيح السنة من ضعيفها فإن السنة هي الشارحة لكتاب الله تعالى والمبينة .
قال تعالى :" وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ".
قال شيخ الإسلام في منهاج السنة3/210:" البيان التام هو ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه أعلم الخلق بالحق وأنصح الخلق للخلق وأفصح الخلق في بيان الحق فما بينه من أسماء الله وصفاته وعلوه ورؤيته هو الغاية في هذا الباب ولله الموفق للصواب".
ولا يتم تمييز صحيح السنة من غيره إلا بدراسة أسانيدها فالإسناد من الدين فقد جاء في صحيح مسلم ج1/ص14:"عن مُحَمَّدِ بن سِيرِينَ قال إِنَّ هذا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ. وعن ابن سِيرِينَ قال لم يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عن الإسناد فلما وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ قالوا سَمُّوا لنا رِجَالَكُمْ فَيُنْظَرُ إلى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ وَيُنْظَرُ إلى أَهْلِ الْبِدَعِ فلا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ".
قال الرامهرمزي في المحدث الفاصل ج1/ص416:" عن ابن أبي أويس قال سمعت مالك بن أنس يقول إن هذا العلم هو لحمك ودمك وعنه تسأل يوم القيامة فانظر عن من تأخذه".
لهذا وجب علينا أن نرى عمن ننقل ونحدث فإنه قد ظهر في هذا الزمان كثير من أهل البدع وقد تسربل بلباس السلفية وادعوا أنهم دعاتها (( حتى أجازوا الانتخابات بل والمظاهرات)) وظهر الكذابون وفشا كذبهم.
فقد أخرج ابن ماجه(ح2363) وصححه الشيخ الألباني :" عن جابر بن سمرة قال خطبنا عمر بن الخطاب بالجابية فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا مثل مقامي فيكم فقال احفظوني في أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل وما يستشهد ويحلف وما يستحلف".
ولهذا قال شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية ج7/ص61: " بيننا وبين الرسول مئون من السنين ونحن نعلم بالضرورة أن فيما ينقل الناس عنه وعن غيره صدقا وكذبا وقد روى عنه انه قال سيكذب علي فان كان هذا الحديث صدقا فلا بد أن يكذب عليه وإن كان كذبا فقد كذب عليه وإن كان كذلك لم يجز لأحد أن يحتج في مسالة فرعية بحديث حتى يبين ما به يثبت فكيف يحتج في مسائل الأصول التي يقدح فيها خيار القرون وجماهير المسلمين وسادات أولياء الله المقربين بحيث لا يعلم المحتج به صدقه".
ولا يجوز الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة والموضوعة في حكم ما من أحكام الشريعة وما قاله البعض في جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال فمردود لأن الكل شرع والشرع لا يثبت إلا بدليل صحيح .
قال الشوكاني في الفوائد المجموعة ج1/ص283: " قال ابن عبد البر وأهل العلم بجماعتهم يتساهلون في الفضائل فيروونها عن كل وإنما يتشددون في أحاديث الأحكام، وأقول (الشوكاني): إن الأحكام الشرعية متساوية الأقدام لا فرق بينها فلا يحل إثبات شيء منها إلا بما تقوم به الحجة وإلا كان من التقول على الله بما لم يقل وفيه من العقوبة ما هو معروف والقلب يشهد بوضع ما ورد في هذا المعنى وبطلانه والله أعلم".
أما من احتج بفعل الإمام أحمد بتقديم الحديث الضعيف على رأي الرجال فمرود أيضا لأن الإمام أحمد عنى بالضعيف الذي ينجبر بالشواهد والمتابعات لا الحديث الواهي. وعلى أي حال فإن الذي يقدم الحديث الضعيف على رأي الرجال هو من باب تعظيم الحديث أيضا ولو أن كثيرا من العلماء من لا يرتضي ذلك.
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ج3/ص380:" فالواجب أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الكذب فإن السنة هي الحق دون الباطل وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام عموما ولمن يدعي السنة خصوصا".
على أنه ينبغي أن يعلم أن لكل علم رجاله فتمييز الصحيح من غيره ليس لكل أحد بل لم أفنى عمره بالنظر في الأحاديث وأسانيدها ورجالها وإلا فكثيرا من الأحاديث الضعيفة قد ملئت كتب البعض ولا عبرة في ذلك ما لم يكن من أهل الشأن.
فما أجمل ما قاله القاسمي في قواعد التحديث ج1/ص181: " بيان أنه لا عبرة بالأحاديث المنقولة في كتب الفقه والتصوف ما لم يظهر سندها وإن كان مصنفها جليلا . قال العلامة ملا على القارى في رسالة الموضوعات حديث من قضى صلاته من الفرائض في آخر جمعة من رمضان كان ذلك جابراً لكل صلاة فاتته في عمره إلى سبعين سنة باطل قطعا ولا عبرة بنقل صاحب النهاية وغيره من بقية شراح الهداية فإنهمليسوا من المحدثين ولا أسندوا الحديث إلى أحد من المخرجين وقال السيوطي في مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود على حديث نهى أن يمتشط أحدنا كل يوم فإن قلت إنه كان يسرح لحيته كل يوم مرتين قلت لم أقف على هذا بإسناد ولم أر من ذكره إلا الغزالي في الإحياء ولا يخفي ما فيه من الأحاديث التي لا أصل لها. وظاهر أنهم لم يوردوا ما أوردوا مع العلم يكونه موضوعاً بل ظنوه مرويا ونقد الآثار من وظيفة حملة الأخبار إذ لكل مقام مقال ولكل فن رجال".
والأعجب من ذلك من يصحح الحديث بالرؤى والمنامات والمكاشفات .
قال القاسمي في قواعد التحديث ج1/ص184: " من المعلوم لكل أحد أن الأحاديث لا تثبت إلا بالأسانيد لا بنحو الكشف وأنوار القلوب فما نقله الشعراني عن جماعة سيدي إسماعيل اليمني إن كان المراد صحة اللفظ كما فهم المفتي توقف الأمر على السند وإلا رد القول على قائله كائنا من كان ودين الله لا محاباة فيه والولاية والكرامات لا دخل لها هنا إنما المرجع للحفاظ العارفين بهذا الشأن".
|