منتديات منابر النور العلمية

العودة   منتديات منابر النور العلمية > :: الـمـــنابـــر الـعـلـمـيـــة :: > منبر التراجم والتعريف بالشخصيات المشهورة

آخر المشاركات من عجائب أخطاء د. عبدالله بن عبدالرحيم البخاري! (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          من عجائب إخوان الشياطين(حزب الإخوان المسلمين الإرهابي) (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          صار حال الصعافقة فيما يتنشرونه من منشورات يظنون أنها تؤيدهم: "يخربون بيوتهم بأيديهم". (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          منشورات صعفوقية مشتملة على ضلالات ينقلونها عن الشيخ ربيع حفظه الله بتاريخ 26/ صفر/ 1440هـ (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          تعليق مختصر على بعض الأغبياء الذين يتهمون دول الخليج بتدمير العراق (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          الترهيب من تحصيل العلو في الأرض أو المنزلة عن طريق ظلم أخيه المسلم، ففيه تحذير شديد لشهود الزور... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          تعليقات على بعض صعْفَقَات وهرطقات زهير السطائفي، وبعض صعْفَقَات وهرطقات متابع الخلفيين رائد آل طاهر... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          نظرة تأملية في #العقوبات_الإيرانية (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          من فضائل أبي ذر رضي الله عنه (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          روابط دروسي الأسبوعية لعام 1439هـ-1440هـ (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-15-2011, 08:43 PM
أبو عبيدة إبراهيم الأثري أبو عبيدة إبراهيم الأثري غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 390
شكراً: 1
تم شكره 24 مرة في 21 مشاركة
افتراضي الشيخ العلامة عبد الله بن محمد القرعاوي رحمه الله

الفهارس > جماعات > السعوي > مولده ونشأته
مولده ونشأته :
( أ ) المدخل : نستقي المعلومات عن مبدأ حياة الشيخ ، من ثلاثة مصادر :
1 - مجلة المنهل التي فيها لقاء مع الشيخ عبد الله القرعاوي - رحمه الله - تحت عنوان : ( ساعة مع مؤسس مدارس الجنوب ) ، تبع ذلك رسالة ترجم فيها الشيخ القرعاوي لنفسه ، وقد سمى المحرر ذلك بالرسالة القرعاوية .
وفي نظري أن هذا أصدق مصدر يعتمد عليه ؛ لأنه تعريف بالسيرة الذاتية للشخص بقلمه هو ، وفي فترة هي بداية ظهور ثمار
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 282)
العمل الذي قام به منذ عام 1358هـ . . وقد نشر ذلك في المنهل عام 1367هـ .
2 - كتاب " علماء نجد في ستة قرون " للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام ، رئيس محكمة التمييز بالمنطقة الغربية ، وهو كما أسلفنا من بلد المترجم له ، حيث جاءت ترجمة حياة الشيخ في الجزء الثاني برقم 219 ، وقد حرص على إيفائه حقه .
3 - كتاب " روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين " للشيخ محمد بن عثمان القاضي ، أمين المكتبة الصالحية بعنيزة ، حيث ترجم للشيخ في الجزء الثاني تحت رقم 171 ، والمؤلف من بلد المترجم له أيضا _ ويلاحظ أن لدى البسام والقاضي إضافات في ترجمة الشيخ القرعاوي ، زيادة عما جاء في المنهل ، ولعل هذا جاء من حكم إلمامهما بشيء من سيرته التي لم ينوه عنها في المنهل ، خاصة وأن القرعاوي ركز فيما أعطى من معلومات بعد النسب ، على جهوده في الجنوب وفتح المدارس .
- قد صدر بعد ذلك كتابان عن سيرة الشيخ القرعاوي ، وهما :
- الشيخ القرعاوي ودعوته في جنوب المملكة العربية السعودية لموسى بن حاسر السهلي طبع عام 1413هـ .
- السمط الحاوي لأسلوب الداعية الشيخ القرعاوي في نشر التعليم بجنوب المملكة للشيخ الدكتور علي بن قاسم الفيفي وطبعته عام 1411هـ وقد سبق التنويه عنهما .

(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 283)
وهذان يأخذان في السيرة الذاتية والنسب عن مجلة المنهل أولا ، ثم يضيفان ما يريان أهميته من ترجمة الشيخ عبد الله البسام في كتابه علماء نجد للشيخ القرعاوي .
- ومثلهما ما سطره الشيخ عمر بن أحمد جردي مدخلي في مخطوطته التي مرّ ذكرها .
( ب ) نسبه :
لقد بدأ - رحمه الله - رسالته القرعاوية بالمنهل بتوضيح نسبه عندما قال : أقول وأنا كاتب الأحرف : عبد الله بن محمد بن حمد بن عثمان بن علي بن محمد بن نجيد ، فإن جدي محمد بن نجيد ، كان في عنيزة ، بالجناح ، ثم باع أملاكه بعنيزة ، واشترى بدلها أملاكا في القرعاء ، وجاور أهلها ، وكان يسمى فيها ابن نجيد ، كذلك أولاده وأولاد أولاده ، حتى جدي الأدنى : حمد المحمد بن نجيد ، ثم انتقل جدي الأدنى هذا إلى عنيزة ، وكان لا يعرف فيها إلا باسم ( ابن نجيد ) ، وكذلك في مكاتباته وأسانيده ، لا يكتب إلا : حمد المحمد بن نجيد ، فلما بنى بيوته في عنيزة ، وغرس نخله المشهور بالقرعاوية ، لقب بالقرعاوي ، لقبا بلفظ النسب ، ولكن في المكاتبات والأسانيد كان يكتب ( ابن نجيد ) ، فلما وقعت حرب عنيزة ، قلع الأشجار والنخل ، وباع الأرض والبئر ، وانتقل إلى جنوب بريدة ، وغرس نخله المشهور الآن بالفيضة ، وهي ملكنا حتى الآن ، وبقيت بيوته وأولاده في عنيزة .
وهناك فروع لآل نجيد غيرنا كثيرون ، في عنيزة وبريدة ، والبكيرية والخبراء والبدائع ، وفي بغداد والشام ؛ لأن أجدادي كانوا دائما يسافرون إلى بغداد ، وإلى الشام وحلب ، جمّالين ، ويحملون البضائع من هناك ، ولم
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 284)
يشتهر أحد منهم بالقرعاوي ، إلا جدي حمد المحمد بن نجيد ، كما ذكرت آنفا .
وفي عنيزة حمد العلي القرعاوي ، وأخواه صالح وعبد الله وذريتهم ، أهل بيت كل واحد منهم يقال له : القرعاوي ، ويطلق عليه هذا اللقب حتى الآن ، وهم مشهورون بهذا اللقب مثلنا ، وهم أيضا منتقلون أيضا من القرعاء ، ولكنهم ليسوا من آل نجيد ، بل يرجعون إلى آل مطوع ، فهم آل مطوع ، ونحن آل نجيد .
كان جدي حمد أولا فلاحا بالقرعاء ، ثم جمالا ببغداد ، ثم في حلب ثم فلاحا بعنيزة ، ثم فلاحا بالجنوب ، ثم توفي في شهر رمضان سنة 1315هـ بعد أن مرض بالفالج ، وبقي على فراش المرض أربع سنين بمرض الفالج ، وفي تلك السنة في شوال توفي أبي ، وفيها ولدت في 11 ذي الحجة بعد وفاة أبي بشهرين .
هذه حقيقة نسبي القريب ، وأما النسب البعيد فليس عندي منه حتى الآن شيء ، ولم أطلبه بعمري قط ، وليس يهمني ذلك ، وإنما يهمني ما أنا الآن بصدده ، وسبق الكلام من أجله .
أما محمد القاضي في روضة الناظرين ، وهو كما أسلفنا من أبناء بلدة عنيزة ، ومن العارفين به وبأسرته فيقول عنه : هو العالم الجليل ، والمرشد المصلح النبيل الصادع بكلمة الحق ، الورع الزاهد ، الشيخ عبد الله بن محمد بن حمد بن محمد بن عثمان القرعاوي ، من ذرية محمد بن نجيد من المصاليخ بطن من قبيلة عنزة ، العدنانية ، سكن جدهم القرعا بشمالي القصيم ، ثم نزح منها معظمهم إلى عنيزة ، فنسبوا إليها ، ويلتحق بالنجادا غير
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 285)
القراوعة ، منهم آل رميح وآل أبا الخيل ، وآل الصقير وآل الشعيبي ، ومنهم الشاعر الشعبي المعاصر الشريف بركات ، والذي مدحه بقصيدته القرنفلية ، ومنهم الشقير والمطر ، والجلالي والسعوي في بريدة ، والدغيثر في الرياض وضرما .
ومع ما يلاحظ في هذا من زيادة من حيث تحديد القبيلة التي ينتمي إليها ، ومن يلحق بأسرته نسبا من الأسر المعروفة بالقصيم ، فإننا نجد ابن بسام في كتابه : "علماء نجد خلال ستة قرون" يقول بمثل قوله إلا أنه زاد عليه إيضاحا بقوله : كانت مساكن ابن نجيد - الجد الأعلى للمترجم له - في النبهانية إحدى قرى القصيم الغربية ، وذلك في القرن العاشر الهجري ، واستوطنها هو وذريته من بعده ، ومنها تفرقوا في قرى القصيم ، وجد المترجم له - محمد بن نجيد - المذكور في عمود النسب غرس نخيلا ، واتخذ له عقارات ، واستوطن القرعاء هو وذريته ، ثم انتقل جد أبي المترجم له من القرعاء إلى عنيزة ، واسمه محمد بن نجيد فسمي القرعاوي ، فتوفي في عام 1315هـ ، كما توفي والد المترجم له في نفس العام المذكور .
( جـ ) ولادته :
يقول عن نفسه ولدت في 11 من شهر ذي الحجة عام 1315هـ بعد
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 286)
وفاة أبي بشهرين . كما مرّ بنا آنفا ولم يحدد مكان ولادته ، وهذه السنة أيضا هي التي مات فيها جده في شهر رمضان ، ووالده في شهر شوال من تلك السنة ، وهي متقاربة . . ولم يأت ذكر لانتقال والدته قبل ولادته إلى عنيزة .
أما الشيخ عبد الله بن بسام فيقول عنه : ولد المترجم له بالسنة التي مات فيها جده وأبوه ، وهي عام 1315هـ في بلدة عنيزة ، ونشأ فيها وربي في كفالة والدته ورعاية عمه - عبد العزيز بن حمد القرعاوي - ولقد أدركت عمه من وجهاء عنيزة وأعيانها ، ولعمه ثلاثة أبناء : عبد الرحمن موظف في إمارة مكة ، وعبد الله يقيم بالمنطقة الشرقية ، ومحمد يقيم في المنطقة الشرقية أيضا ومثله يقول الشيخ محمد القاضي : ولد هذا العالم في مدينة عنيزة سنة 1315هـ وهي سنة وفاة محمد بن عبد الله بن رشيد ، وتوفي أبوه قبل ولادته بشهرين ، فخرجت أمه بولادتها إياه من عدة وفاته ، وفي أول نفس سنة 1315هـ توفي جده حمد بن محمد بن عثمان بن علي فنشأ يتيما ، وقام بتربيته ورعايته عمه عبد العزيز الحمد القرعاوي ، وكان من أعيان عنيزة ، اشتهر بالفضل والكرم ، ومن جيراننا - ونعم الجار - رحمه الله ، ولقد خلف أبناء من خيرة زماننا دينا وخلقا ، ومن خلف ما مات ، كما كانت أمه تحنّ عليه ، وتأيمت بعد أبيه ، وقامت مع عمه برعايته على أكمل وجه .

(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 287)
وعن هذه الأم ودورها في رعايته ، وأثرها في تكوين شخصيته كما يقول الشاعر :

وينشأ ناشئ الفتيان منا علـى مـا كـان عـوده أبوه

يقول الشيخ موسى السهلي في كتابه عن الشيخ القرعاوي ودعوته في الجنوب : ولد الشيخ القرعاوي ، وخرج إلى هذه الدنيا يتيم الأب ، وكفلته أمه حيث كانت امرأة صالحة ، تحرص على مجالس الذكر ، وحضور صلاة الجماعة في المساجد ، في الأماكن المخصصة للنساء ، فحرصت على تنشئته تنشئة صالحة بالدين والخلق ، وقد شب وترعرع في حجرها ، بإشراف أعمامه ، وأشهرهم عبد العزيز بن حمد القرعاوي من وجهاء مدينة عنيزة .
لكنني أستنتج أن ولادته في الخبوب التي جنوب بريدة حيث الإقامة والمزرعة التي غرسها جده ، وأن الانتقال لعنيزة عند أعمامه تم بعد ذلك وهذا الترجيح مبني على :
- أن جده ترك عنيزة لظروف معينة قلع الشجر والنخل من مزرعته ثم باع الأرض والبئر .
- أننا لم نجد نصا يدل على انتقال أبيه أو أمه لعنيزة قبل ولادته .
- أن الناحية الشرعية تلزم المحادة بالبقاء حيث توفي الزوج ولا تخرج إلا للضرورة ، ولعلها لم تنتقل لعنيزة إلا بعد الولادة وخروجها من العدة .
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 04-15-2011, 08:44 PM
أبو عبيدة إبراهيم الأثري أبو عبيدة إبراهيم الأثري غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 390
شكراً: 1
تم شكره 24 مرة في 21 مشاركة
افتراضي

اشتغاله بالتجارة :
شأن الشيخ القرعاوي ، شأن أضرابه من الشباب في زمانه ، في
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 288)
البحث عن مسارب الرزق ؛ لعدم القدرة على التفرغ لطلب العلم ، وما ذلك إلا لمشقة الحياة ، وقلة الموارد التي تريح الإنسان ، وتجعله قادرا على تهيئة النفس ، وتفريغ الذهن بطلب العلم ، ناهيك بالجهد الذي يبذله الإنسان في هذا السبيل في مثل بيئة المترجم له ؛ إذ لا موارد تغطي حاجة السكان ، ولا استقرار في التجارة ولا أمان في السبل ، إلا بعد أن هيأ الله للبلاد الملك المظفر عبد العزيز آل سعود ، وبذل جهدا كبيرا في توحيد البلاد واستقرارها ، ولم يستتب الأمن إلا بعد سنوات طويلة من السعي والمواصلة - فرحمه الله - وجعل في عقبه خير خلف لخير سلف ، وكما يقال : رأس المال جبان لا يتحرك وينمو إلا في جو آمن .
ولذا كانت سبل التجارة محفوفة بالمخاطر ، وشاقة مع قلة مواردها ، ولكنها الحاجة التي دعت لذلك ، ومع اهتمام الشيخ القرعاوي بطلب العلم ، إلا أنه بدأ كما يبدأ أترابه في زمنه ، بالبحث عن لقمة العيش ، وما تحوج إليه من تحمل ، فامتطى من الأمور ما يصقل شخصيته ، ويعطيه دروسا في الحياة ، تتفتح عنها مواهبه ، ويكتسب بها خبرة وقدرة على الصبر والثبات ، أمام معضلات الأمور كما قال الأول :

لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى فمــــا انقـــادت الآمـــال إلا لصـــابر

ومن هذا المسلك نرى الشيخ محمد القاضي يرى أن القرعاوي اشتغل في عام 1328هـ مع عمه بالتجارة في التغريب للشام ، فسافر معه في جَلْب الإبل والملابس ، وعاد إلى عنيزة ، فصار يوالي نشاطه التربوي والتأديبي ، وفتح دكانا للبيع والشراء ، وكان صدوقا في المعاملة ، وفي الصباح والليل يلازم مشايخه .

(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 289)
ثم يقول : وقبيل وفاته وصل إلى عنيزة ، وعزم على أن يفلح ملكهم الواقع بالخبوب بالبُصُر - الفيضيّة - وكلم أناسا للاستدانة إلى أجل ، وهذا مما يدلنا على فراغ يده ، ونزاهته مما لفّق الأعداء عليه من تهم ، ولكن حمد المحمد الصالحي نصحه قائلا : يا شيخ ما بقي بالعمر مثل ما مضى ، ولم يزل به حتى ثنى عزمه ، فرجع إلى الرياض ، وألمّ به المرض الذي كان يعتاده وأقعده على الفراش .
وهذا يدل على أنه دخل التجربة في التجارة ، ولما يبلغ الحلم ، إذْ عمره ثلاثة عشر عاما ، وهي تجربة لم تستمر ولم تكن مثمرة ، حتى تغريه بالاستمرار فيها ، حيث صرفه عنها شغفه بالعلم كما يقول الشيخ عبد الله بن بسام في كتابه : ( علماء نجد ) نشأ المترجم له في مدينة عنيزة وصار يتعاطى التجارة من حداثته ، وعمه يوجهه ويرشده ، وكانت تجارتهما في الإبل ، ثم صار له ميل إلى طلب العلم .
وقد أكد هذا الجانب ، وأعطاه توضيحا أكثر ، تلميذه الشيخ موسى السهلي ، ولعله أخذ ذلك مشافهة من الشيخ القرعاوي بحكم ملازمته الطويلة له ، فقال : منذ أيام الصبا بدت على عبد الله القرعاوي ملامح النجابة والذكاء ، وقد رأى عمه عبد العزيز أن يعرض عليه بعد مشورة والدته القيام بعمل التجارة ، حيث اشترى له بضاعة باسمه وسافر به ومعه بضاعته إلى بلاد الشام لمزاولة التجارة وتدريبه على البيع والشراء ، وقد تكرر سفره بصحبة عمه حتى تمرس على الحركة والبيع والشراء ، وعرف كثيرا من خبرات عمه ، إلى أن أصبح يزاول التجارة بمفرده ، وبقي على هذا الحال مدة حتى حسن وضعه وتزوج ، وبعد ذلك أوقف التجارة وانصرف
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 290)
لمزاولة الفلاحة ، إلا أنه لم يجد في الفلاحة ما يغطي حاجته ، فاضطر لفتح دكان يسانده بجانب الزراعة ، ومع ذلك لم يستفد كثيرا ؛ لأن ما يحصل عليه من كسب الدكان ينفقه في الزراعة ، فضاق ذرعا بالزراعة ، وتوقف عنها ، ثم رغب في العودة مرة أخرى لمزاولة التجارة من جديد ، فطلب الإذن من والدته لحرصه على برها ، فأذنت له ، وعاد لممارسة البيع والشراء ، وبدأ يأخذ بضاعة ويذهب بها إلى الجهات المجاورة كعادته سابقا ، واستمر الحال كذلك حتى ترك التجارة ، وانصرف إلى طلب العلم .
ومن هذا يلاحظ أن التجارة ، والرغبة في امتهانها قد تغلغلت محبتها في قلبه ، وقد رأى فيها مطيّته للمهمة التي تهيأت نفسه لها ؛ لأن التجارة مدخل من المداخل التي تأنس بها الأفئدة ، وتتقارب القلوب من حيث حسن التعامل ، والمساعدة بالبذل للمحتاج ، والإحسان إلى الضعيف والصغير ، حيث سمَّى الاقتصاديون المال عصب الحياة .
ومن هنا ندرك أن امتهان الشيخ القرعاوي للتجارة ، أسلوب من أساليب الذكاء ، يستطيع به التقرب إلى الناس ، والإحسان إليهم ، حتى يقبلوا الدعوة ، وهذه من المداخل التي يحاول بها المبشرون التغلغل للقلوب ، لكنه - رحمه الله - سلك طريقا أمكن في أسر القلوب من طرائقهم ، وأدعى لقبول الدعوة من أساليبهم ، إنها طريقة الإسلام ، ومنهجه بالبذل والعطاء في النفس والمال ، طمعا لما عند الله من أجر مدَّخر . . ونراه يقول في رسالته التي نشرت في المنهل : وفي اليوم العشرين من صفر عام 1358هـ توجهت لجازان ، وأخذت منه بضاعة ، وتوجهت لسامطة ، ثم تجوّلت
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 291)
بجهات سامطة ، ونزلت دكانا في نفس سامطة ، ووضعت فيه البضاعة التي معي ، وأول أمر بدأت به وأنا في الدكان تعليم القرآن وثلاثة الأصول ، والأربعين والتجويد والفرائض ، وآداب المشي إلى الصلاة ، وكان ذلك في 21 ربيع الأول 1358هـ . . فكان هذا الدكان أول مدرسة فتحتها في تهامة اليمن لكن الشيخ عمر أحمد جردي ، وهو من خواص طلاب القرعاوي ، ذكر عن اشتغاله بالتجارة زيادة عما ذكر المشايخ ، فقال : إنه لما ملك رشده كان يذهب جمالا إلى العراق ، مع عمه يشتغل بالتجارة ، في الإبل إلى الشام وفلسطين ومصر ، وحمص وحماة ولبنان ، وديار بكر والأكراد ، يشتري الإبل من الأحساء والقصيم ، والكويت وعنيزة والرولة ، ثم يبيعها هناك .
والشيخ عمر شبيه بالشيخ موسى في الأخذ مشافهة من الشيخ بحكم ملازمتهما للشيخ والتلمذة عليه ، والسفر معه في التجول بالمنطقة ، مما يتيح لهما بين وقت وآخر اقتناص المعلومات منه مباشرة .
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 04-15-2011, 08:44 PM
أبو عبيدة إبراهيم الأثري أبو عبيدة إبراهيم الأثري غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 390
شكراً: 1
تم شكره 24 مرة في 21 مشاركة
افتراضي

بعض صفاته :
لكل إنسان صفات خُلقية وخلْقية تميزه عن غيره ، وتنعكس على شخصيته وأعماله ، والشيخ عبد الله القرعاوي - رحمه الله - بانت عليه صفات عديدة تميزه عن غيره ، فمحرر مجلة المنهل عندما قابله لإجراء الحديث عن مدارس الجنوب التي أسس بعد انتقاله إلى هناك . وكان اللقاء مع المجلة ضحوة يوم الجمعة الموافق 17 / 4 / 1367 هـ ، وصفه قائلاً : هو رجل متواضع ، بشوش ، ربعة ، أصفر اللون ، مستطيل الوجه ، أقنى
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 292)
الأنف ، ناتئ الجبهة ، أزج الحواجب ، أقرنهما غير واسع العينين ، في أوائل العقد السابع من العمر ، وقد خط الشيب فوديه ولحيته ، وهو دائب الحركة ، خفيف نشط ، وتبدو في ملامحه أمارات الرضا والغبطة .
وعن تواضعه قال : وقد تحدث إلينا فقال : إنه مع شيبته كان لا يستنكف في تلقي دروس الحساب والخط مع صغار التلاميذ في مدرسة الأستاذ إبراهيم حلواني في مكة المشرفة .
ومثلما ارتسمت ملامحه لدى محرر مجلة المنهل ، فكذلك نجد جوانب أخرى من صفاته لدى الكاتبين عنه ، وكلهم ممن عرفه عن كثب . .
فالشيخ عبد الله البسام قد أجمل صفاته بقوله : وكان آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر ، يصدع بالحق ولا تأخذه في الله لومة لائم ، وكان يتجول في أسواق عنيزة وشوارعها لهذه الغاية ، فلا يرى متخلفا عن الجماعة في المسجد ، أو امرأة لابسة شيئا من زينتها ، إلا علاه بعصاه ، وزجره بلسانه ، حتى صار له هيبة وسطوة ، يحذره منها الكسالى والمتهاونون ، وفي عدة مرات يفتح مكتبا لتعليم الأطفال القرآن الكريم ، والكتابة والحساب مجانا لوجه الله تعالى ، كما يوجه الكبار منهم إلى مبادئ العلوم ، وأنا كنت من الأطفال الصغار الذين دخلوا في كتّابه - رحمه الله تعالى - فكان لا يأذن لنا بالخروج حتى نؤدي الصلاة في أوقاتها ، وهو يلاحظنا عن اللعب في الصلاة ، ثم يخرج بعد ذلك لأداء الصلاة في المسجد .
أما الشيخ محمد القاضي في ترجمته لحياته ، فقد وصفه بصفات عديدة ، منها قوله : العالم الجليل ، والمرشد المصلح النبيل ، الصادع بكلمة الحق ، الورع الزاهد .

(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 293)
كما وصفه برخامة الصوت ، والتجويد لكتاب الله ، والبر بوالدته ، وحب الإصلاح بين الناس ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفي عام 1386هـ فقد بصره ، وضعفت قواه ، وأرهقته الشيخوخة .
ولعل أوسع من تناول صفات الشيخ عبد الله القرعاوي بالتفصيل تلميذه موسى السهلي ، فقد تحدث في مؤلفه عنه أكثر مما تحدث من ألف قبله ، حيث جمع بين النقل عن المصادر التي اطلع عليها ، والمعاصرة للشيخ باعتباره من أخص تلاميذه الأوائل الملازمين له ، فكان له مع مخالطة الشيخ عن كثب ومعرفة الشيء الكثير عن طبيعة نفسه ، مجال للأخذ منه مشافهة ، مع الاطلاع على أمور دقيقة ، من حركاته وسكناته ، ولكون الشيخ موسى من خواص أوائل طلاب الشيخ القرعاوي ، الذين يصاحبهم في التنقل في المنطقة : دعوة وتدريسا ، ومعلوم أن السفر من الأوضاع التي تبرز فيها بواطن النفس ، وخصائص الأعمال ؛ لأن الإنسان ينطلق على سجيته ، ولذا نرى الشيخ موسى ، قد وزّع ملامح الشيخ القرعاوي وسماته إلى ثلاث حالات ، حيث قال :
صفاته الخِلْقية : رحم الله الشيخ القرعاوي ، فقد جمع الله له من الصفات الخلقية ، ما جعله أهلا للدعوة إلى الله ، والقيام بالتعليم في هذه البلاد وفي غيرها . فقد كان - رحمه الله - ربعة بين الرجال ، عريض المنكين ، قوي البنية ، أصفر اللون ، مستطيل الوجه ، أقنى الأنف ، كث اللحية ، خفيف العارضين ، ناتئ الجبهة ، أزج الحاجبين أقرنهما ، ضيق العينين ، ولم يكن حاد البصر ، لرمد أصابة وأحدث في عينيه بياضا ، جهوري الصوت ، وقورا ، له هيبة
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 294)
في المجالس ، دؤوبا على عمله ، يتمتع بمكانة سامقة بين طلابه وذويه ، وكان - رحمه الله - ذكيا ، حاضر البديهة ، بعيد النظر ، له فراسة قوية ، كثير المبادرة إلى سبل الخير ، يغضب للحق ، ويعيش من أجله ، إذا ذكرته بالله ، ارتعدت فرائصه ، شديد الغيرة على محارم الله - عز وجل ، وكان أبي النفس ، لا يقبل الضيم ، وفي الوقت نفسه كان حليما ، لين الجانب ، يحب الصغار ، ويعطف على المساكين والعجزة من القوم ، لا يفتأ يذكر الله في السر والعلن ، في الفرح والحزن ، كان يتأسى كثيرا بالمصطفى - صلى الله عليه وسلم - الذي جعله الله أسوة حسنة لكل مسلم .
2 - تواضعه : حقا كان شيخنا - رحمه الله - يتسم بالحلم والوقار ، والتواضع الجم ، وقد حدثنا عن نفسه : أنه كان مع شيبته لا يستنكف من تلقي دروس الحساب والخط مع صغار التلاميذ في مدرسة الأستاذ إبراهيم حلواني بمكة المشرفة ، وذلك غاية النبل ، وقمة التواضع ، عندما يجلس هذا العالم ليتزود بما ليس لديه من العلم النافع على يد أربابه .
3 - حرصه على العبادة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : منذ فترة باكرة ، وهذا الرجل يحب أمور الخير ، يقول الشيخ عبد الله البسام . . . ثم ذكر بعضا من صفاته التي ذكرناها هنا عن ابن بسام ، وبعد ذلك أردف قائلا : ناهيك عما قام به من أعمال في الجنوب ، مما سنتحدث عنه بتوسع - إن شاء الله - وقد جعل الشيخ موسى القسمين الرابع
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 295)
والخامس من ص22 إلى ص55 لعمل الشيخ في الدعوة بالجنوب التهامي وعسير وما حولها .
وقد زودني الأخ الشيخ محمد القرعاوي - ابن الشيخ المترجم له - بنسخة مصورة عن مخطوطة من إعداد الشيخ عمر أحمد جردي مدخلي عن سيرة الشيخ القرعاوي وعمله في المنطقة ، بدأها منذ طلب منه في عام 1389هـ أن يكتب عن الشيخ ثم بعد التأكيد في عام 1392هـ ، ويظهر مما وصلني أنه لم ينته من التأليف بعد . . ومما جاء في هذا المخطوط من صفات الشيخ القرعاوي قوله :
مربوع القامة ، أبيض اللون ، يميل إلى الحمرة ، قوي البنية ، نشيط في جسمه ، قوي في بدنه ، لا يستطيع أحد من طلابه في ذلك الوقت أن يقوم بما يقوم به من نشاط علمي وعملي ، كث اللحية ، أعطاه الله من الذكاء والفراسة ما لم يعط أحدا في زمانه .
داعيا إلى الله بالحكمة واللين والرفق ، عالما ورعا ، زاهدا مخلصا ، صابرا محتسبا في دعوته إلى الله تعالى ، وكان - رحمه الله - سلفي العقيدة : عقيدة أهل السنة والجماعة ، أما الفروع فلا يتقيد فيها بمذهب من المذاهب الأربعة فقد كان مذهبه مذهب السلف الصالح ، إذا صح الحديث فهو مذهبه ، وكان يقوم الليل مع كثرة متاعبه طيلة النهار بالتدريس ، وجزء من الليل ، وكان ينام مرة على الحصير بالمسجد ، ومرة عند القاضي الشيخ : إبراهيم المحمد العمود من أهل عنيزة ، وكان يحب المساكين ويكرمهم ، وكان
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 296)
يعطف على الأرامل والأيتام ويواسيهم ، وكان يحب طلبة العلم حبا لله ، وفي الله ، وقد لقي من المتاعب والمكائد والحسد ما الله به عليم ، لكنه - رحمه الله - قابله بالصبر والاحتساب .
وفي مواصلته الحديث عن الشيخ القرعاوي ، حسب معرفته الشخصية يقول : وفي الأعوام الأخيرة قام ببناء المساجد في جهات متعددة من جوامع وغيرها كثير ، لا أستطيع حصرها ، ولقد حفر آبارا كثيرة للشرب ، وقد بذل جهدا كبيرا بالشفاعة عند الحكومة لتوظيف بعض الطلبة ، ومشايخ القبائل ، فاجتمعت في هذه المنطقة بفضل الله ثم بأسبابه نعمة الدين والدنيا معا ، وكان محسنا كبيرا كريما ، ويحب أهل الكرم ، وقد أوصى بثلث ماله عند موته في المشاريع الخيرية ، في بناء المساجد ، وحفر الآبار ، وغيرها من أعمال الخير ، والحمد لله قد نفذ من الثلث الشيء الكثير ، وذلك من حسن نيته - رحمه الله - وحسن تدبير وصيّه ولده الأكبر الشيخ محمد - حفظه الله ، وكثّر أمثاله من الأولاد الأبرار الأتقياء
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 04-15-2011, 08:45 PM
أبو عبيدة إبراهيم الأثري أبو عبيدة إبراهيم الأثري غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 390
شكراً: 1
تم شكره 24 مرة في 21 مشاركة
افتراضي

رحلاته في طلب العلم :
كابد الشيخ القرعاوي مشاغل الحياة ، جريا وراء لقمة العيش ، ولم يتفرغ لطلب العلم إلا على كبر ، فكان من القلّة الذين جعل الله في علمهم بركة ، وفي إخلاصهم وصدقهم مع الله نتيجة ، وذلك بتفتح السبل ، وتذليل الصعاب ، وسرعة النتائج ، حيث دأب - رحمه الله - على الإخلاص والنصح والدعوة ، منذ كان شابا في عنيزة ، ومع تلاميذه في أول مدرسة افتتح في مسقط رأسه للتعليم : قراءة وكتابة كما نوّه عن ذلك كل من الشيخين
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 297)
عبد الله بن بسام ومحمد القاضي وهما ممن عرفا مدرسته إبان طفولتهما ، وسبرا أخباره عن كَثَب . وهو - رحمه الله - وإن لم يتحدث في رسالته التي نشرتها المنهل عام 1367 هـ عن رحلته في العلم : طلبا واهتماما ومتابعة ، إلا أنه أعطى لمحة عابرة تنبئ عن الجهد المبذول في طلب العلم ، والانتجاع من أجله ، عندما قال : وذلك أني لما رجعت من الهند في 22 رمضان سنة 1357 هـ ، وقدمت الرياض ، أقمت عند شيخي الفاضل العلامة : محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ ، أقرأ عليه للمرة الثالثة ، وأما الرابعة فكنت مستمعا ، وأما الخامسة فلم أجده لأنه كان بمكة يومئذ ، وقد ذهبت إلى الأحساء عند فضيلة الشيخ عبد العزيز بن بشر ، وإلى قطر عند فضيلة الشيخ محمد بن مانع ، فقرأت عليهما كليهما في الحديث .
ولكن محرر هذه المجلة ، أوضح في مقدمة اللقاء معلومات أكثر فقال : وقد تحدث إلينا القرعاوي فقال : إنه مع شيبته كان لا يستنكف من تلقي دروس الحساب والخط مع صغار التلاميذ ، في مدرسة إبراهيم الحلواني في مكة المشرفة ، وأنه ارتحل إلى الهند وهو كبير السن لاستكمال الدراسة ، وقد كرر الدراسة مرارا في نجد على شيخه العلامة : الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن سليم ، والشيخ عمر بن سليم في بريدة ، وأنه يطبق على نفسه المبدأ القائل : " اطلب العلم من المهد إلى اللحد " . وأنه كان يستعد بذلك كله لهذا العمل الذي قام به في الأخير .

(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 298)
ويزيد الشيخ عبد الله البسام الأمر وضوحا عندما قال عن طلب الشيخ للعمل إجمالا : نشأ المترجَم له في مدينة عنيزة ، وصار يتعاطى التجارة من حداثته ، وعمه يوجهه ويرشده ، ثم صار له ميل إلى طلب العلم ، فأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد آل مانع ، كما رحل إلى بريدة فلتقاه عن الشيخ عبد الله بن سليم ، وعمر بن سليم ، وترك التجارة وانصرف إلى طلب العلم ، فرحل إلى الهند للتزود من العلم ، وذلك عام 1334 هـ ، والتحق بالمدرسة الرحمانية بدلهي ، وتلقى علم الحديث عن علماء السنة في الهند ، فلما جاءه خبر مرض والدته بعد سنة من وصوله ، عاد إلى عنيزة ولكن توفيت قبل وصوله ، ثم جدّ في طلب العلم ، وصار يقوم برحلات إلى العلماء الكبار في أوطانهم وأمكنة عملهم ، وفي خلالها يعود إلى بلده عنيزة ، فرحل إلى بريدة ، للأخذ عن علمائها ، كما رحل إلى الرياض ، وأخذ عن سماحة الشيخ : محمد بن إبراهيم ، كما رحل إلى الأحساء وأخذ عن قاضيه الشيخ عبد العزيز بن بشر ، كما رحل إلى قطر فتلقى العلم عن العلامة : الشيخ محمد بن مانع ، ثم رحل إلى المجمعة فقرأ على الشيخ عبد الله العنقري ، ثم عاد إلى الهند لإكمال دراسته ، فتلقى علم الحديث عن الشيخ عبد الله بن أمير القرشي الدهلوي ، وأجازه إجازة مطولة ، ورحلته الأخيرة عام 1355 هـ ، ثم عاد عام 1357 هـ .
أما الشيخ محمد القاضي فقد أورد أن الشيخ القرعاوي ذكر له عن طلبه العلم ، وهو معه في المسجد الحرام ، كما أملى عليه رحلاته فقال باستطراد : قرأ القرآن ، وشرع في طلب العلم بهمة ونشاط ومثابرة ، فقرأ على علماء عنيزة ، ومن أبرز مشايخه : الجد صالح بن عثمان ، والخال عبد الله بن مانع ،
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 299)
وسليمان العمري ، قاضي الاحساء . . هكذا ذكر لي ، وأنا معه في المسجد الحرام ، وأملى عليّ رحلاته وسأذكرها : فتح مدرسة للتعليم لكتاب الله والخط والحساب ومبادئ العلوم ، وكان مجودا وله صوت رخيم ، واستمر يدرس تبرعا لوجه الله ، والتف إليه طلبة كثيرون ، وإذا حان وقت الصلاة ساقهم إلى المسجد ومعه عصاه ، ومتى رأيناه مقبلا ونحن في طفولتنا ينذر بعضنا البعض : جاءكم القرعاوي ، فنهرب ويرسل علينا عصاه ، وهذا دأبه طول بقائه بعنيزة ، داعية خير ورشد ، وتخرّج عليه قراء مهرة ، وإذا قيل له : اكفف عن الضرب لتسلم من أذيتهم يجيب بأنني قادر على الإنكار باليد ، وفي الصحيح : من رأى منكم منكرا فلغيره بيده وكان إذا طلع الفجر ، يقوم فيقرع بيوت جيرانه : قوموا إلى الصلاة . . الصلاة خير من النوم . بصوت عال ، ويقرع الأبواب حتى يستيقظوا ، ويظهر إلى خارج البلد ، فمن رآه ساقه إلى المسجد بالعصا ، كما يسوق الراعي غنمه ، ومتى لم يمتثلوا ضربهم ، أو رفع بهم إلى الحاكم .
وقد استمر في إبانة ما يهم الناس في أمور دينهم ، بصلابته في الدعوة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . . إلى أن قال : وبعد عودته من التجارة في الشام إلى عنيزة ، صار يوالي نشاطه التربوي والتأديبي ، وفتح دكانا للبيع والشراء ، وكان صدوقا في المعاملة ، وفي الصباح والليل يلازم مشائخه ، ورحل إلى بريدة فقرأ على علمائها ، ومنهم عبد الله بن سليم ، وعمر بن سليم ، وفي عام 1344هـ سافر إلى الهند ، فقرأ على علماء الحديث في دلهي حوالي سنة ، فبلغه مرض أمه ، وطلبها لحضوره ، عند ذلك أزمع السفر إلى عنيزة ، وماتت - رحمها الله - قبل وصوله ، فبقي عشرة
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 300)
أيام ، وغادر عنيزة للاحساء فقرأ على قاضيها ، الشيخ عبد العزيز بن بشر ولازمه ، ثم إلى قطر والساحل ، وقرأ على محمد بن عبد العزيز المانع ، وعاد إلى الرياض فلازم علماءه ، ومن أبرزهم سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ، وسافر إلى المجمعة فقرأ على قاضيها عبد الله بن عبد العزيز العنقري ، ثم عاد إلى الرياض فقرأ على مشايخه ، ثم رحل إلى الهند للمرة الثانية عام 1355هـ ، فقرأ على علماء الحديث في الهند ، ولازم حمد الله القرشي الدهلوي وأجازه بسند متصل ، وبقي سنتين ، ثم عاد إلى عنيزة ، وكان يتجول في الأسواق ، فمتى رأى امرأة متبرجة ضربها بسوطه ، وإذا سمع بأخوين متصارمين ، سعى للإصلاح بينهما ما أمكنه ، واشتهر بالإصلاح لذات البين ، وسافر في عام 1358م للرياض ، ولازم سماحة الشيخ محمد ، وحج معه ، وبعد أداء المناسك ، طلب الملك عبد العزيز - رحمه الله - من سماحته أن يوجه إلى الجنوب مرشدا ومعلما ، لأمور الدين ، فوجه المترجم له : القرعاوي إليه ووصاه بالإخلاص في دعوته ، وبتقوى الله في السر والعلن ، فسافر في 25 من ذي الحجة من مكة عام 1358هـ ووصل سامطة .
أما الشيخ عمر أحمد في مخطوطته عن الشيخ القرعاوي ، فإنه قد ذكر هذه الرحلة العلمية للشيخ ، ولكن مع اختلاف عما جاء عند الشيخين عبد الله البسام ، ومحمد القاضي ، ولعل هذا من تغير الرواية ، أو اختلاف
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 301)
النقل ، وذلك عندما : ذكر - رحمه الله - أنه أول ما سافر إلى الهند لطلب العلم عام 1345 هـ ، ودرس بمدرسة الرحمانية بدلهي للمرة الأولى ، وأقام بها عشرة أشهر ، ثم ذكر أن أمه أرسلت إليه خطابا تطلب فيه حضوره فسافر - رحمه الله - حال وصول الخطاب حسب طلب أمه ، ولما وصل عنيزة ، فإذا هي قد ماتت قبل وصوله بثمانية أيام - رحمهما الله رحمة الأبرار .
وفي طلبه العلم بنجد : ذكر - رحمه الله - أنه جلس بعنيزة سبعة أيام ثم سافر إلى بريدة ، وجلس عند الشيخ : عبد الله بن سليم ، وعمر بن سليم ، ثم سافر إلى مكة ، وطلبوا منه الموافقة على تعيينه قاضيا ، أو مطوعا فسافر إلى مصر هاربا من الوظيفة ، ولقصد طلب العلم ، ولما وصل إلى مصر وجد بعض الأساتذة مخالفين للسنة في بعض أمورهم ، فجلس ما شاء الله ، ثم سافر إلى فلسطين ، زاعما أنه يجد في نابلس علماء ، فحصلت له قصة مع عالم من علمائها ، رواها لي أحد تلامذته ، الشيخ أحمد يحيى النجمي ، وهي : لما وصل إلى مدينة نابلس ، جلس عند شيخ عنده حلقة علم ، يعلم الناس وهو جالس وسط الحلقة ، فلما سأله من أين جاء ؟ فأخبره أنه من نجد ، فقال ذلك الشيخ : من العرب الذين يأكلون الشعير ؟ قال : نعم . ثم قال له الشيخ عبد الله - رحمه الله - : تسمح لي يا شيخ ؟ قال : نعم . قال : أتعرف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأكل الشعير ؟ قال : نعم . قال له : فكيف تعيرنا بالشعير ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أكله . ثم قال له : أتعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الجلوس وسط الحلقة . قال : نعم . قال له : فكيف تجلس في وسط الحلقة وأنت تعرف هذا النهي . وبالجملة فقد أفحمه ثم سافر من عنده .
ثم سافر - رحمه الله - إلى الشام لطلب العلم عن طريق حيفا وعكا
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 302)
وبيروت ، فلم يجد مطلوبه ، فسافر إلى عمان ثم إلى معان ، ثم رجع إلى القصيم ، ثم سافر إلى الرياض ، والتقى بابن سليم وابن بليهد .
ثم ذكر عن طلبه العلم للمرة الثانية بنجد فقال : ذكر- رحمه الله - أنه سافر إلى الرياض فلم يجد الشيخ محمد بن إبراهيم ، فسافر إلى الأحساء ، وجلس يقرأ على الشيخ ابن بشر ، هو وابن دهيش ، وذكر - رحمه الله - أنه كان يدرس على الشيخ ابن بشر ، ويبيع ويشتري ، وكان جلوسه هذا بعد أن طاف على العراق والكويت ، والزبير ، فلم يجد أحدا يدرس عليه ، ثم مرّ على عمان وقطر ، فوجد لدعوته أثرا طيبا في تلك الجهة ، ولكن لم يطل مقامه لعدم المشارك في طلب العلم لديه ، والشيخ مشغول بالقضاء ، كذلك جلس برأس الخيمة أحد عشر يوما ، ثم رجع إلى عنيزة .
وعن طلبه العلم بنجد للمرة الثالثة قال : ذكر - رحمه الله - أنه جلس يقرأ على الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ، وبعد مدة تشاور مع الشيخ محمد : هل يكمل دراسته بالحجاز ، أو الهند ، فأشار عليه بالسفر إلى عنيزة بلده .
وأخيرا طلب العلم بالهند ، وحصل على الإجازة من شيخه أحمد - وأورد جزءا من نص الإجازة - ثم قال : وقد تحصل ولله الحمد على العلم النافع ، وصار عالما بارعا بالتفسير والحديث ، والتوحيد والفقه ، والمصطلح والفرائض وأصول الفقه والتجويد ، وفي النحو والصرف ، والمعاني والبيان ، والبديع والتاريخ ، والسيرة والإنشاء ، والإملاء والخط والحساب .

(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 303)
فكان - رحمه الله - عالما بهذه الفنون ، عاملا بما علم ، ويحفظ كتاب الله عن ظهر قلب ، وبعد مضي سنتين بالهند رجع إلى الرياض ، في شهر رمضان عام 1357هـ .
أما الشيخ موسى السهلي ، فقد أفاض في مؤلفه : عن طلب الشيخ القرعاوي للعلم ، بحيث استغرق منه قرابة خمس صفحات ، لم يخرج ما فيها عما جاء عند الشيخين : عبد الله البسام ومحمد القاضي ، إلا أنه زاد في شيوخه تاسعا ؛ هو الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ بالرياض ، وأورد إجازة الشيخ أحمد الله بن أمير القرشي مدير المدرسة الرحمانية السلفية بدلهي ، التي بين فيها أهلية القرعاوي العلمية ، وفضله ومكانته بين العلماء ، وذكر فيها أسماء الكتب التي درسها عليه ، وأجازه بتدريسها .
كما عرض عليه المسئول بالمدرسة الإقامة عندهم ، ليكون مديرا في مدرسة هناك ، ويلقي ثلاثة دروس عربية ، فوافق مبدئيا إلا أنه ما لبث أن اختلف معهم في الرأى ، فاستسمح منهم وعاد إلى نجد ، ونزل مدينة الرياض .
ومن هذا الاستعراض لمن كتب عن طلب العلم للشيخ القرعاوي ندرك أن رواياتهم تباينت ، وأن لدى بعضهم ما يغاير الآخر في الرصد التاريخي ، وعن أماكن طلب العلم ، وعن عدد شيوخه : اسما ومكانا ، ومدة المكث في بعض الجهات لطلب العلم . . إلى غير ذلك .
كما يبرز سبب تطوافه البلدان ، في حرصه على طلب العلم الشرعي ، واهتمامه بالعقيدة السليمة ؛ لأنه يبحث عن بغية رسمها لنفسه بنيه صادقة ، ومع هذا فلم يعزب عن باله المهمة الأساسية التي صوب جهده نحوها ، منذ
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 304)
حداثة سنه ، حرصا على حسن المأخذ ، واهتماما بالهدف الذي قصده ، ومواصلة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأداء لواجب العلم في الدعوة والتعليم .
ومن هذا الهدف بدأ بفتح مدرسة في عنيزة ، وحرص على تعليم طلابه الصلاة ، وحثهم عليها ، ومتابعتهم ، كما اهتم بالأمر بالمعروف ، وإيقاظ الناس للصلاة ، ومتابعة النساء عن التبرج ، ثم لما أنيطت به مهمة الدعوة في جنوب المملكة ، وجد ما يشفي غليله ، ويستوعب جهده في التعليم بفتح المدارس ، وبناء المساجد ، وحفر الآبار ، وفي الدعوة بالتجوال ، وإنكار المنكرات المتفشية في المنطقة من سحر وتعلق بالموتى وغير ذلك .
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 04-15-2011, 08:46 PM
أبو عبيدة إبراهيم الأثري أبو عبيدة إبراهيم الأثري غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 390
شكراً: 1
تم شكره 24 مرة في 21 مشاركة
افتراضي

زهده في الوظائف :
للشيخ القرعاوي - رحمه الله - نظرة خاصة حول الوظيفة ، إذ يراها قيدا تحول دون تحقيق ما يصبو إليه في التعليم والدعوة ، والتنقل في سبيل ذلك ، وقد يكون زهده فيها ورعا وتأثما ، ولذا نراه في أخذه العلم كالطائر المحلق ، يقع على أي شجرة يريد ، ويحط بأي أرض تحلو له ، وفي حرصه على التعلم كالنحلة التي لا تأخذ إلا من أطايب الثمر ، وأزكى الأشجار ، حيث ينعكس أثر ذلك على عطائه ، وما يبذله نحو طلابه . فكانت له هيبة لدى الخاص والعام ، وقابلية عند الجميع ، هذا إلى جانب كثرة عبادته ، وما جبلت عليه نفسه من حب للخير منذ نشأته ، ورغبة في مساعدة الناس .
ويظهر من تتبع سيرة الشيخ القرعاوي ، أن لدية نية صادقة ، وذكاء وقادا ، واحتسابا في كل عمل يقوم به .

(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 305)
فهو إن فتح مدرسة لتعليم القرآن الكريم ، والكتابة والحساب ، فلوجه الله تعالى ، يدرّس فيها بالمجان ويبذل من ماله ما يشجع الدارسين ، ففي أول مدرسة فتح في عنيزة عام 1347هـ كان يعمل لطلابه ندوة من أجل تنشيطهم أسبوعيا ، ويختبرهم في دروسهم ، والفائز يعطيه جائزة ، فأعطى أحدهم ساعة جيب تسمى ( راس كوب ) وغير هذا من حوافز مالية ومادية .
ومن حبه للتعليم لوجه الله فقد عاود في عام 1349هـ فتح المدرسة بعد رجوعه إلى عنيزة تحقيقا لرغبة أهالي البلد ، احتسابا لله ، واجتمع لديه عدد جيد من الطلاب ، ولكنهم تفرقوا لطلب المعيشة .
وأثناء دراسته في الهند طلب منه بعد التخرج أن يكون مديرا للمدرسة الرحمانية ، وهي التي درس فيها ، ونال من كبير مشايخها الإجازة ، وأن يلقي ثلاثة دروس عربية ، فتعذّر وتوجه إلى نجد .
وبعد عودته من الهند في عام 1357هـ ، عرض عليه بعض المسئولين في الدولة عام 1358هـ إدارة مدرسة المجمعة ، أو إدارة مدرسة بريدة ، أو يكون مدرسا في عنيزة ، أو في دار الحديث بمكة المكرمة وهذه المدارس جميعها حديثة الإنشاء . .
أو مطوّعا بإحدى المناطق ليصلي بهم ويرشدهم ويحل أمورهم التي يسألون عنها في الدين ، فلم يرغب شيئا من ذلك .

(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 306)
كما أنه بعد وفاة والدته وعودته من الهند ، سافر إلى بريدة ، وجلس عند الشيخين : عبد الله بن سليم وعمر بن سليم ، ثم سافر إلى مكة وطلب منه سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ الموافقة على تعيينه قاضيا أو مطوعا ، فسافر إلى مصر هربا من الوظيفة .
إجازته العلمية :
في عام 1357هـ أجازه كبير مشايخ المدرسة الرحمانية بدلهي الشيخ : أحمد الله بن أمير القرشي كعادة علماء السلف أن يجيز أنجب تلاميذه ، موضحا في هذه الإجازة المكانة العلمية التي وصل إليها التلميذ ، وهذه الإجازة هي بمثابة ما يعرف اليوم بالشهادة العليا : ماجستير . . ودكتوراه . . إلا أن الشهادات العليا اليوم لها تنظيم وتقنين غربي ، وفي فرع من فروع الدنيوية بوجه خاص ، أما الإجازة : فهي تقدير من الشيخ لمكانة وعلم تلميذه ، وهي في العلوم الشرعية .
وفي نظري أن الإجازة أدق من التنظيم الحديث للرسائل العلمية ، على المنهج الغربي الذي أصبح في العالم بأسره ، ومن بينهم المسلمون والعرب .
والإجازة ذات مكانة للطالب ؛ لأنها شهادة علمية ، تخصص الجانب الذي برز فيه ، والتقدير من شيخه له بما وصل إليه من علم ، مع التزكية له بالمكانة التي تؤهله لمنح الإجازة لغيره ولمن هو أهل لها ، مع الوصية له بأن يتقي الله في علمه .
والإجازة تنتقل من الأعلى للأدنى ، تسلسلا وتتابعا ، وتبين مكانة الإجازة من نص المجيز ، وإبانته عما وصل إليه الطالب .

(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 307)
فالشيخ أحمد الله ، قد أجاز الشيخ القرعاوي ، وبخط يده ، وذيّلها بخاتمه وهذا نصها :
بسم الله الرحمن الرحيم : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ، وبين كتابه لعباده الإنس والجن عربا وعجما ، وشيد معالم العروة الوثقى إلى يوم التناد بالأسانيد العلى ، الذين خلصوا بأعلام التقى ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، تقدس بذاته وصفاته عن وصمة التشبيه والتعطيل ، لا ضد له ولا مثيل ، وصلى الله على محمد وآله وصحبه ، والأئمة المحدثين الحافظين شريعة الله ورسوله صلاة وسلاما إلى يوم الدين .
أما بعد : فإنه ورد إلينا في بلدة دلهي ، الطالب النجيب الأمجد ، الصالح الأرشد ، العالم الجليل والفاضل النبيل ، عبد الله بن محمد القرعاوي النجدي ، من أهل عنيزة غفر الله لهما ، وقرأ علي بلوغ المرام ، والمشكاة والمنتقى ، وشيئا من التفسير ، وشيئا من العربية في مجيئه الأول ، وبعد مجيئه الثاني قرأ علي وسمع من الصحاح الست ، والموطأ والبيضاوي مع الطلب ، وطلب مني بعد الفراغ من القراءة والسماع الإجازة في ذلك ، ووصل سنده بسند أهل الجد والاتباع ، فأسعفته بذلك تحقيقا لظنه ومطلوبه ؛ لأنه أهل لذلك ، فإن كنت لست أهلا لذلك ، ولكن تشبها بالأئمة الأعلام ، السابقين الكرام : شعرا :
وإذا أجــزت مـع القصـور فـإنني أرجــو التشــبه بــالذين أجـازوا السابقين إلى الحقيقة منهجا سبقوا إلى غرف الجنان ففازوا
فأقول وبالله التوفيق : إني قد أجزت الطالب المذكور ، كما أخذت قراءة وسماعا وإجازة عن مشايخ أجلاء ، وأعلام وأساتذه كرام ، من أجلهم شيخنا الشريف ، الإمام الهمام ، المحقق سيدنا نذير حسين الدهلوي - رحمه
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 308)
الله - عن الأورع الأتقى ، المشهور في الآفاق مولانا محمد إسحاق - رحمه الله - عن الشيخ الشهير ، العالم الجليل ، شاه عبد العزيز - رحمه الله - عن الشيخ الأجل الأكمل شاه ولي الله - رحمه الله ، وسنده مثبت في عجالة النافعة ، للشيخ الشاه عبد العزيز ح ، وشيخنا الأكرم سند المحدثين ، رئيس المحققين ، حسين بن محسن الأنصاري الخزرجي السعدي اليماني ، عن العالم الفاضل محمد بن ناصر الحسيني الحازمي ، والقاضي العلامة أحمد بن القاضي ، الحافظ الرباني ، محمد بن علي الشوكاني الصنعاني ، كلاهما عن والد الثاني ، أعني به القاضي العلامة ، الحافظ الرباني ، محمد بن علي الشوكاني ، عن شيخه السيد العلامة عبد القادر بن أحمد الكوكباني ، عن شيخه السيد العلامة : سليمان بن يحيى بن عمر بن مقبول الأهدل - رحمه الله - ح وبرواية الشريف محمد بن ناصر ، والقاضي أحمد بن محمد بن علي الشوكاني ، عاليا بدرجة ، وعن شيخنا السيد العلامة ، وجيه الإسلام ، ومفتي الأنام ، عبد الرحمن بن سليمان بن يحيى بن عمر بن مقبول الأهدل - رحمه الله تعالى ، عن شيخه ووالده السيد العلامة : نفيس الدين ، وخاتمة المحدثين سليمان بن يحيى بن عمر بن مقبول الأهدل ، عن شيخه السيد العلي ، أحمد بن محمد شريف الأهدل ، عن شيخيه العلامتين : عبد الله بن سالم البصري المكي وأحمد بن محمد النخلي المكي ، كلاهما عن المحقق الرباني ، الشيخ إبراهيم بن حسن الكردي الكوراني المدني ، عن شيخه العلامة : أحمد بن محمد القشاشي ، بضم القاف ، المدني ، عن شيخه العلامة الشمس : محمد بن أحمد الرملي ، المصري الشافعي ، عن شيخ الإسلام القاضي زكريا بن محمد الأنصاري المصري ح ، وبرواية البصري والنخلي الطيار عن الشمس محمد بن علاء الدين البابلي ، بكسر الثانية
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 309)
المصري ، عن سالم بن محمد السنهوري ، عن النجم محمد بن أحمد الفيطي ، عن القاضي زكريا بن محمد الأنصاري المصري ، عن شيخ الإسلام ، وخاتمة المحدثين الأعلام ، أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ، رحمه الله ، فأروى صحيح الإمام الحافظ أمير المؤمنين في حديث سيد المرسلين ، أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله ، بالأسانيد المذكورة إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني عن شيخه زين الحفاظ ، أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي ، عن شيخه الإمام الحجة المسند المعمر أبي العباس ، أحمد بن أبي طالب الحجَّار ، عن شيخه الإمام أبي عبد الله الحسين بن المبارك الزبيدي ، عن الحافظ أبي الوقت ، عبد الأول بن عيسى السجزي ، عن الإمام أبي الحسين عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الدؤادي ، عن شيخه الحافظ أبي محمد عبد الله بن أحمد حمويه الحموي الرخسي عن الحافظ أبي عبد الله بن يوسف بن مطر الفريري ، عن مؤلفه الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف ، الملقب بردزبه الجعفي مولاهم البخاري رحمه الله تعالى .
أما صحيح الإمام الحافظ مسلم بن الحجاج القشيري ، فأرويه بالأسانيد السابقة إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الصلاح بن أبي عمر المقدسي ، عن أبي الحسن علي بن أحمد المعروف بابن البخاري ، عن المؤيد محمد الطوسي ، عن فقيه الحرم أبي عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الغزاوي عن أبي الحسن عبد الغافر بن محمد الفارسي ، عن أبي أحمد بن عيسى الجلودي ، بضم الجيم ، نسبة إلى سكة الجلوديين بنيسابور الدراسة ، وقيل بفتحها نسبة للجلود ، قرية كذا في ثبت الأمير محمد بن محمد بن أحمد بن عبد القادر المصري ، عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان ، عن مؤلفه: الإمام الحافظ : مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ، رحمه الله
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 310)
تعالى ، إلا ثلاثة فرأيته في ثلاثة مواضع لم يسمها: إبراهيم بن محمد بن سفيان ، عن شيخه الإمام مسلم ، فروايته لها عن مسلم بالإجازة أو بالوجادة ، وقد غفل أكثر الرواة عن تبيين ذلك وتحقيقه في إجازاتهم وفهارسهم ، بل يقولون في جميع الكتاب: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان قال : أخبرنا مسلم بن الحجاج ، وهو خطأ نبه على ذلك الحافظ ابن الصلاح ، كما حكاه عنه النووي ، في مقدمة شرح مسلم ، رحمه الله ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
وأما سنن الإمام الحافظ أبي داود : سليمان بن الأشعث السجستاني رحمه الله ، فبالأسانيد السابقة إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني ، عن أبي علي المطرزي ، عن يوسف بن علي الحنفي ، عن الحافظ زكيّ الدين عبد العظيم المنذري ، عن أبي حفص عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد البغدادي ، عن إبراهيم بن أبي عمر القاسم ابن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي ، عن أبي علي بن محمد بن أحمد اللؤلؤي ، عن مؤلفه : أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ، رحمه الله تعالى آمين .
وأما سنن الإمام الحافظ أبي عيسى ، محمد بن سورة الترمذي ، رحمه الله تعالى ، فبالأسانيد السابقة إلى شيخ الإسلام: القاضي زكريا بن محمد الأنصاري المصري ، عن العزّ عبد الرحيم بن محمد المعروف بابن الفرات ، عن الشيخ أبي حفص عمر بن الحسن المراغي ، عن الفخر علي بن أحمد بن عبد الواحد ، المعروف بابن البخاري ، عن عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد ، عن أبي الفتح عبد الملك سهل الكروخي ، بفتح الكاف وضم الراء ، عن القاضي أبي عامر محمود بن القاسم الأزدي ، عن أبي محمد عبد الجبار بن محمد بن عبد الله الجراح المروزي ، عن الشيخ الثقة الأمين أبي
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 311)
العباس محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي المروزي ، عن مؤلفه: الحافظ أبي عيسى بن سورة الترمذي ، رحمه الله .
وأما سنن الحافظ أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر بن سنان النسائي رحمه الله تعالى ، فبالأسانيد السابقة إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني ، عن إبراهيم بن أحمد التنوخي ، عن الإمام أحمد بن أبي طالب الحجار ، عن عبد اللطيف بن محمد بن علي القبيطي ، عن أبي زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي ، عن أبي محمد عبد الرحمن بن أحمد الدوني ، بضم الدال وسكون الواو وكسر النون ، بعدها ياء النسبة إلى دون ، قرية من قرى دينور ، عن القاضي أبي نصر أحمد بن الحسين الكسّار ، عن أبي بكر أحمد بن محمد بن إسحاق الدينوري ، المعروف بابن السني عن مؤلفه: الإمام الحافظ أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر بن سنان النسائي رحمه الله تعالى .
وأما سنن الحافظ الإمام: محمد بن يزيد بن ماجه ، بسكون الهاء ، القزويني ، فبالأسانيد السابقة إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني ، عن أبي الحسن علي بن أبي المحبة الدمشقي ، عن أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجار ، عن أنجب بن أبي السعادات ، عن أبي زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي ، عن الفقيه أبي منصور محمد بن الحسين بن أحمد المقومي القزويني ، عن أبي طلحة القاسم بن أبي المنذر الخطيب ، عن أبي الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة القطان ، عن مؤلفه الإمام الحافظ: أبي عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني ، رحمه الله تعالى .
فاعلم أن لعبد الله بن محمد المذكور ، أن يروي عني جميع ما في هذه الكراسة ، من الكتب المذكورة بأسانيدها ، إلى مصنفيها المذكورين ، وأوصيته بمراجعة الكتب المؤلفة في أسماء الرجال ، والكتب المصنفة في
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 312)
ضبط الألفاظ المشكلة ، في متون الأحاديث ، وإيضاح معانيها ، وكتب مصطلح الحديث كألفية الحافظ العراقي ، والحافظ السيوطي ، وشرحهما والنخبة وشرحها للحافظ ابن حجر وحواشيها وشروح الأمهات الست خصوصا فتح الباري للحافظ ابن حجر فإنه بحر تيار ، وعباب زخار وتأمل معاني الأحاديث ، والتعبير عن كل لفظ بمدلوله العربي .
وأوصيته بتقوى الله في السر والعلن ، والمراقبة لله تعالى فيما ظهر وما بطن ، ومتابعة السنن والحياء من الله وحسن الظن بالله وبعباد الله ، وأن لا يفضل عن ذكر الله المطلق ، وتلاوة كتابه ، وتدبر معانيه ، والمجاهدة في الله بحسب الطاقة فيما يقربه إلى الله عز وجل ، وألا ينساني من صالح دعواته ، في خلواته وجلواته ، في حياتي وبعد مماتي ، ووالدي وأولادي ومشايخي .
وفقنا الله وإياه لما يرضاه ، وسلك بنا وبه طرق النجاة ، والحمد لله رب العالمين أولاً وآخراً ، وظاهراً وباطناً ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وأنا المجيز العاجز المسكين ، أحمد الله بن أمير القرشي ، الدهلوي مسكنا ، هندي والأبادي مستوطنا غفر الله لهما ، وستر عيوبهما وجعلهما من ورثة جنة النعيم ، للعام المذكور في يوم الأحد ، وقد مضت ثلاث وعشرون من شعبان سنة ألف وثلاثمائة وسبعة وخمسين من هجرة النبي الأمين الشافع في يوم الحشر . . صلى الله عليه وعلى أهله وأصحابه وأحزابه إلى يوم المحشر ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين .
خاتمه الرسمي


بخط يده

(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 313)
وقد ذيّلها الشيخ القرعاوي بالإجازة أيضا لتلميذه ، وزوج ابنته: حافظ بن أحمد الحكمي بخط يده أيضا فقال : أقول وأنا كاتب الأحرف عبد الله بن محمد القرعاوي ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله وصحبه أجمعين:
أما بعد: فقد أجزت الأخ حافظ بن أحمد علي حكمي ، بما أجازني به شيخي أحمد الله بن أمير القرشي الدهلوي بسنده المذكور ، وأوصيته ونفسي بتقوى الله ، ثم بما أوصاني به شيخي ، وأن يداوم على التعليم ، ويحافظ على المتعلمين ، وخاصة الغرباء والمنقطعين منهم ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
غرة رجب عام 1364 هـ .
ويتضح من نص الإجازة أنها تتعلق بأمهات كتب الحديث ، رواية ودراية ، وهذا مما ينبئ عن مكانة الشيخ عبد الله القرعاوي ، وما وصل إليه في فترة زمنية قصيرة ، كما نوَّهت الإجازة إلى ما تحصل عليه رحمه الله في مجيئه الأول . . وهو علم انعكس أثره في طلابه ، ووصايا طبّقها رحمه الله في دعوته وتعليمه في منطقة هي في أمس الحاجة إليه وإلى جهوده المخلصة ، إذا بانت الآثار ، وبرزت النتائج .
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 04-15-2011, 08:49 PM
أبو عبيدة إبراهيم الأثري أبو عبيدة إبراهيم الأثري غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 390
شكراً: 1
تم شكره 24 مرة في 21 مشاركة
افتراضي

دعوته في الجنوب :
إن بغية الشيخ القرعاوي ، وهدفه الذي كان يقصد إليه تحقق ، عندما استقر في جنوب المملكة ، منطقة جازان وما حولها ، حيث وجد نفوساً
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 314)
متعطّشة ، وأفئدة متهيئة ، فكان داعية لله مخلصاً ، وصادقا في جهده تعليماً وأمرا ونهياً وترغيباً وحبا للخير .
وقد عرف الله نيته ، فهيأ له قلوبا حريصة ، ونيات خالصة كالأرض التي صادفها الوابل بعد انقطاع ، أو كالمريض الذي هيأ الله له طبيبا يعينه في تلمس العلاج للعلة التي ألمت به .
فالعالم الشرعي ، والطبيب البشري ، لكل منهما هدف وغاية ، محسوسة وظاهرة ، ويترقب من الله أجراً مدخراً ، - إن صدق النية مع الله- ، ويتطلع لنتيجة في العمل الذي يقوم به ، بصدقه وبذله .
والعالم الشرعي ، ينقذ الناس - بعد توفيق الله - من الضلالات والشركيات ، ويبعدهم عما يتنافى مع دين الله الذي ارتضاه سبحانه لعباده ، ليجدوا بذلك لذة في قلوبهم ، وراحة في نفوسهم .
والطبيب الشرعي مثله في الهدف والغاية ، إذا صدقت نيته ، وأخلص في أمانته ، وهذا مصداق الحديث الشريف: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى
العالم الصادق في نيته مع الله ، هو العالم النافع لنفسه ، والمؤثر في غيره ، وليس من الضروري بأن يكون العالم متبحراً في معارفه ، إذْ تقوى الله جل وعلا ، ومراقبته في السر والعلن ، هي خير زاد يدفع العالم للعمل ، ويجعل لعمله ثمرة بارزة فيمن حوله ، وقبولا لدى الناس ، ألم يقل سبحانه:
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
.
أما ثمرة العلم: فهي العمل ، كما أنه له صدقة ، يجب أن تؤدى ،
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 315)
وذلك ببذره في الناس ، ونفع الآخرين به ، ولذلك وسيلة يؤدى بها ، وهي الإخلاص والصبر ، والتحمل في سبيله ، كما أن له نتيجة مرتقبة ، هي احتساب الأجر عند الله ، وبروز الأثر فيمن يقدم له العلم .
وعلمنا الذي نترجم له قد خطا خطوات لا يبلغها فحول العلماء ، ونفع الله به ، حيث بقي أثره خالداً في المنطقة التي اتجه إليها وخارجها ، كما ظهرت آثاره جلية في تلاميذه الذين تزايد عددهم في جازان وغيرها .
أما قول القاضي: والقرعاوي وإن لم تكن معلوماته واسعة ، فقد خطا خطوات لا يبلغها فحول العلماء ، ممن نفعهم قاصر فيقال حياله :
- إن الفترة الزمنية القصيرة في طلب العلم بالهند ، أهلته لأخذ أمهات كتب الحديث وغيرها .
- وإن ما برز في تلميذه الشيخ حافظ حكمي الذي لم يجلس لطلب العلم عند أحد غير الشيخ القرعاوي ، ومع هذا يعتبر نابغة الجنوب وعالمها ، وظهر أثر هذا في مؤلفاته في العقيدة والأصول والحديث والفقه وغيرها .
- وإن ما عرف عن المكانة العلمية لكثير من طلاب الشيخ القرعاوي الذين عملوا في القضاء وفي التدريس وفي الدعوة . ممن توفي أو بقي على قيد الحياة .
- وإن كثرة شيوخه رحمه الله وحرصه على التنقل للأخذ من العلماء البارزين في داخل المملكة وخارجها . كل هذا وغيره يدل على أن معلومات الشيخ القرعاوي واسعة ، وليست قاصرة كما قيل .
ذلك أن الشيخ القرعاوي امتداد لعمل الأفذاذ من علماء الإسلام قديماً وحديثاً ، وهو من القلة الذين جعل الله في علمهم بركة ، وفي إخلاصهم
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 316)
وصدقهم نتيجة ، وذلك بتفتح السبل ، وتذليل الصعاب ، وسرعة النتائج ، مع القبول في قلوب الناس في منطقة واسعة امتدت من مكة وجدة ، حتى وسط اليمن وجنوبه ، من الجهة الجنوبية: سهولا وجبالا .
وقد كان دأبه في كل مكان طوّف به: مسقط رأسه عنيزة وغيرها ، حب التعليم ، والحرص على إزالة المنكرات ، دعوة لله وترغيباً في الخير ، وإنكارا للمنكر بصدق وإخلاص ، ولم يثن عزمه الفقر أو قلة ما في اليد .
إلا أن أفق الدعوة اتسع أمامه مع مطلع 1358 هـ عندما أبلغ شيخه: الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله ، برغبته في الدعوة إلى الله في المنطقة الجنوبية ، وطلب منه النصح والتوجيه ، بعدما سمع عما في أهلها من جهل ، وما هم واقعون فيه من شرك ، وتبرك بالأولياء وقبور الصالحين لعدم وجود الداعية المخلص الموحد ، فوقع في قلب الشيخ القرعاوي حب الدعوة إلى الله في تلك المنطقة ، ومكن ذلك تلك الرؤيا التي حفزته للإسراع بالمهمة ، فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، وهو يشير بيده الشريفة عليه ، بأن يتوجه إلى الجنوب ، فاتجه من يومه إلى جدة ومنها بحراً إلى جازان .
وندعه يتحدث عن ذلك فيقول: وفي اليوم العشرين من صفر توجهت لجازان ، وأخذت منه بضاعة ، وتوجهت لسامطة ، ثم تجولت بجهات سامطة ، ونزلت دكاناً في نفس سامطة ، ووضعت فيه البضاعة التي معي ، وأول أمر بدأت به وأنا في الدكان تعليم القرآن الكريم ، وثلاثة الأصول ، والأربعين النووية ، والتجويد والفرائض وآداب المشي إلى الصلاة ، كان ذلك في 21 ربيع الأول عام 1358هـ فكان هذا الدكان
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 317)
أول مدرسة فتحتها في تهامة اليمن ، وفي آخر جمادى الأولى من هذه السنة ، توجهت إلى فرسان ، وفتحت فيه مدرسة ، ومنه توجهت إلى مزهر قرية الحكميين " الحكامية " ففتحت فيها مدرسة ، في أول رجب وأصلحت مسجدها ، وهو أول مسجد أصلحت بتهامة وفي غرة شعبان توجهت إلى سامطة ، ففتحت المدرسة بها ثانيا ، في بيت ناصر خلوفه ؛ لأنه لا يستطيع المشي وهو من خيار الطلبة وأكبرهم ، فأردت أن لا يتكلف ، وفيها استقريت حتى الآن
رعاية الحكومة :
رغم ما كابده الشيخ القرعاوي رحمه الله من مشكلات سببها نفثات الحاسدين ، وتلبيس المغرضين ، فإن الحكومة وفقها الله أرسلت لجاناً عديدة للوقوف على الحقيقة ، فكتبت تقارير تنبئ عن إعجابها بالمدارس وتدعو لتشجيعها ومساندة الشيخ القرعاوي في عمله لصدقه وإخلاصه وسلامة مقصده ، وكان يرأس إحداها الشيخ محمد البيز رحمه الله ، فكان لذلك أثر حسن لدى المسئولين في الدولة . .
فالملك عبد العزيز - رحمه الله - ارتاح لعمل القرعاوي وأمر له بمكافأة تعينه على مسيرة العمل عام 1367 هـ .
والملك سعود - رحمه الله- ولي العهد يومئذ في عام 1363هـ تفضل ببعث إعانة كبيرة للشيخ جعلها عادة سنوية وأوصى به أمراء الجهات وقضاتها .

(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 318)
والأمير خالد السديري في عام 1362هـ وقبل أن ينتقل من إمارة جازان قد توسط عند الحكومة بطلب إعانة للطلبة فجاء الأمر بصرف ثلاثمائة ريال 300 شهريا . . فكانت تصرف من مالية سامطة لثلاثين طالباً .
كما تبرع الأمير خالد بقيمة الدفاتر والأدوات المدرسية على حسابه ، وحوّل الشيخ القرعاوي على صاحب دكان في جازان بذلك .
والأمير محمد بن أحمد السديري لما جاء لجازان عام 1364هـ سلك مسلك أخيه خالد بالمساعدة والتأكيد على القضاة وأمراء المقاطعة بمساعدة الشيخ القرعاوي .
ثم فيما بعد عين الشيخ عبد الله القرعاوي معتمداً للمعارف بمنطقة جازان 1373 هـ ولكنه استقال في نفس السنة ، واستمر في مدارسه .
وهكذا استمرت رعاية الحكومة لمدارس القرعاوي ، التي شملت منطقة كبيرة من البلاد ، حيث أمر الملك سعود - رحمه الله- بأن يكون لها ميزانية مستقلة عام 1374هـ ، وأن يسند إشرافها إلى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - لكنه اعتذر بمشاغله الكثيرة ، فقال الملك سعود رحمه الله ، عند زيارته لأبها في مجلس عام : مدارس القرعاوي أنا المشرف عليها . . كما ذكر الشيخ أحمد جردي في مخطوطته ، وقد اتخذ القرعاوي لها مقرا في مكة ، لتكون الإدارة قريبة من وزارة المالية والجهات
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 319)
الحكومية ذات العلاقة ، حيث كلفت وزارة المالية ممثلا ماليا ينظم صرفها على الطلاب والمدرسين والموظفين .
وفي عام 1371هـ أمر ولي العهد- رحمه الله - بصرف تكاليف بناء المدرسة والجامع القديم بسامطة ، على مالية جازان .
كما كانت وزارة المعارف بتوجيه أول وزير لها عام 1373 هـ سمو الأمير فهد - آنذاك - تولي مدارس القرعاوي عناية خاصة بالاهتمام والمتابعة وتحديد المستوى .
وقد بلغت ميزانية المدارس التي أمرت بها الحكومة لمدارس القرعاوي ذلك الوقت خمسة ملايين من الريالات .
نظراً لأن أعمال الشيخ القرعاوي توسعت ، وجهوده تواصلت في منطقة كبيرة وواسعة من بلادنا الغالية ، كما امتد أثرها في اليمن حيث أسس طلابه اليمنيون مدارس في قراهم بجهودهم الذاتية كما عمل شيخهم .

حصيلة الجهد :
ويمكن إجمال المدارس التي فتحها الشيخ القرعاوي في أنحاء المملكة وفقاً للإحصائيات الواردة في الكتابات عن حياة الشيخ القرعاوي وأعماله في المنطقة . . كما يلي :
1 - يقول الشيخ موسى السهلي في كتابه عن القرعاوي ، ودعوته في
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 320)
جنوب المملكة : وقد بلغ عدد المدارس حسب علمي- في أوج توسع العمل فيها ، وحسبما ذكره سماحة شيخنا: ألف وثلاثمائة وعشر مدارس .
2 - أما الشيخ علي بن قاسم الفيفي في كتابه: السمط الحاوي لأسلوب القرعاوي ، في نشر التعليم في جنوب المملكة ، فقد أورد رأيين:
الأول: نسبه إلى الشيخ أحمد بن يحيى النجمي : بأن المدارس بلغت في عام 1376هـ مائتان وألف مدرسة " 1200 " بها نحو مائة ألف طالب ، وكان يكافئ الطالب المبتدئ بريالين وخاتم القرآن بعشرة أريل شهريا .
الثاني : نسبه إلى الشيخ إبراهيم بن عبد الله زكري ، وهو من معاوني الشيخ المقربين إليه ، حيث أخبره أنه بلغ عدد المدارس في أوج ازدهارها في عام 75 / 1376هـ ثمانمائة وألفي مدرسة(2800) ولكنه انخفض العدد بعد ذلك .
ثم أردف قائلاً: وفي رسالة بعث بها إليّ الشيخ بتاريخ 16 / 7 / 1375هـ ذكر فيها أنه رتب في أبها والقنفذه والطائف وتوابعها تسعمائة مدرسة .
3 - والشيخ عمر أحمد جردي يرى أن المدارس في عام 1376هـ ، وهو أول عام فتحت فيه المدارس في نجران بأمر من الملك سعود ، قد بلغت ألفين ومائتي مدرسة ، فيها خمسون ألف طالب ، وفيها خمسة عشر ألف طالبة . بثلاثة آلاف مدرس ومدرسة .
4 - وفي موطن آخر ينقل عن الشيخ القرعاوي بأن اللجنة التي جاءت عام
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 321)
1376 هـ لتفقد المدارس ، لم يقف أعضاؤها في تجوالهم ، إلا على ألف وخمسمائة مدرسة ، وبقي منها سبعمائة وخمسون مدرسة لم يتجولوا عليها ولم يشاهدوها ، حيث سافروا من سامطة يوم 17 / 8 / 1376هـ ، والمدارس التي لم يتجولوا فيها ، أوضح تفاصيلها الشيخ القرعاوي . وفي إيراد ذلك بيان عن المناطق التي شملها نشاط الشيخ القرعاوي في تعليمه ودعوته- رحمه الله - وهي :
1 - جازان 220 مدرسة غالبها في الجبال .
2 - منطقة عسير وتهامة 200 مدرسة .
3 - منطقة القنفذه 140 مدرسة .
4 - منطقة تهامة غامد وزهران 95 مدرسة .
5 - منطقة الليث 50 مدرسة .
6 - مدينة جدة 30 مدرسة غالبها ليليات .
7 - مكة المكرمة 10 مدارس .
8 - جهة القصيم عنيزة وبريدة 25 مدرسة غالبها نسائية .
9 - المجموع 770 مدرسة .
10 - ومجموع التلاميذ للأولاد والبنات 75000 طالب وطالبة؛ منهم عشرة آلاف تلميذ وتلميذة بالمدارس العلمية .
5 - أما في اليمن فإن تلاميذه حرصوا على نشر العلم في بلادهم ، وكان أولها في عام 1373 هـ عشرين مدرسة بمدينة حرض وما حولها ، وبلغت في
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 322)
أنحاء اليمن عام 1375 هـ 86 ستا وثمانين مدرسة ، منها خمس مدارس للبنات .
ومن هذا العرض الموجز ، ندرك أن الشيخ عبد الله القرعاوي يعتبر رائد التعليم والدعوة في جازان وما حولها في مناطق الجنوب ، ويعترف كثير من طلبة العلم هناك بفضله وأعماله ، وإيقاظه للمنطقة ، وانتشال أهلها من براثن الجهل ، ومهاوي البدع والمنكرات .
كما يعتبر رحمه الله ، رائداً في تعليم المرأة هناك ، ورائداً في توفير المكتبات ، والترغيب في المطالعة والتأليف ، ورائداً في توفير السكن الداخلي للطلاب الغرباء ، ليدخر جهدهم للعلم ، حيث أخذ الفكرة من مدارس الهند التي تعلم فيها ، أو زارها كالمدرسة الرحمانية بدلهي .
وهو نموذج للتواضع ، فريد في البذل والحرص والمتابعة ، مع الحلم ، حيث احتذى بعض طلابِه منهجَهُ ، وهان عليهم السفر لأي مكان في سبيل العلم: أخذاً وعطاء ، وتحملاً من أجله .
كما يعتبر أستاذ جيل ، وداعية مجددا بالرفق واللين والحكمة والصبر ، وهذه سمات العلماء وأخلاقهم ، في حبهم للخير والمساعدة ، وفي حرصهم على الدعوة إلى الله سبحانه ، واهتمامهم بتعليم الناس أمور دينهم .

وفاته :
أمضى الشيخ القرعاوي واحداً وثلاثين عاماً في منطقة الجنوب ، كلها حركة دائبة: في التعليم والدعوة . ترك خلالها آثاراً جليلة ، حيث أيقظ الله به خلقاً كثيرا من نومة الجهل ، وغمامة الأهواء ، فالمنطقة كانت تغط في
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 323)
سبات عميق ، وتتخبط في ظلمات داكنة من الشرك والبدع ، وبعض أبنائها إن لم يكن جلهم يتعلقون بأصحاب القبور والسحرة ، وما يتبع هذا من المعاصي والآثام .
وقد عانى الشيخ في هذا السبيل ما الله به عليم ، فصبر وصابر ، وهذب نفوس وطباع من حوله ، من طلاب وجلساء ، حتى برزت الثمار ، وظهرت النتائج في الغرس: طلاباً نجباء ، ومدرسين وقضاة ، ودعاة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وغير هذا من ثمار يانعة يلمس أثرها في ذلك اليوم وحتى الآن .
وفي اليوم السابع والعشرين من شهر صفر عام 1389 هـ مرض الشيخ القرعاوي وهو في منطقة جازان الموافق ليوم الخميس ، وقد نقل على أثره للرياض ، وأدخل المستشفى المركزي بالشميسي ، فعلم به العلماء وطلاب العلم بالرياض ، وبعض المسئولين ، وجاءوا لزيارته والدعاء له بالشفاء .
وقد وافاه الأجل المحتوم في يوم الثلاثاء الثامن من شهر جمادى الأولى عام 1389 هـ عن عمر يناهز الرابعة والسبعين عاماً ، وقد صلي عليه في مغرب ذلك اليوم بالجامع الكبير بالرياض ، ودفن بمقبرة العود ، وقد رثاه بعض تلاميذه بقصائد وكلمات .
وفي مرض موته أوصى بثلث تركته في وجوه الخير والبر ، وقد أشاد به وبأسلوبه في الدعوة إلى الله الأستاذ: محمد بن أحمد العقيلي في كتابه المخلاف السليماني .
ويرى الشيخ محمد القاضي أنه في عام 1386 هـ فقد الشيخ القرعاوي
(الجزء رقم : 42، الصفحة رقم: 324)
بصره ، وضعفت قواه ، وأرهقته الشيخوخة فطلب الإحالة على التقاعد المعاشي ، وعاد إلى الرياض عام 1387 هـ ومعه عائلته وجعل يرتاد عنيزة ، والحجاز للحج والعمرة ، وقبل وفاته وصل إلى عنيزة وعزم على أن يفلح ملكهم الواقع بالجنوب بالبصر الفيضية ، وكلم أناساً للاستدانة إلى أجل لفراغ يده . . مما يدل على نزاهته ، وثنى عزمه حمد الصالحي . . فرجع إلى الرياض ، وألم به مرض كان يعتاده ، وأقعده على الفراش ، فدخل المستشفى المركزي بالشميسي وتوفي في 2 من شهر جمادى الأولى عام 1389 هـ ودفن بالرياض قبل وفاة الشيخ محمد بن إبراهيم بحوالي خمسة أشهر . وقد صلي عليه بالجامع الكبير .
ولم نقف لدى من كتب عنه أن له كتباً ولا رسائل أو كراريس . . ولعله انشغل عن ذلك بالتعليم ونشره ، وبمتابعة الدعوة وتغيير المنكرات في تلك المناطق الشاسعة .
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:15 AM.


powered by vbulletin