فَفَّهِم - رضي الله عنه - أن ليلة القدر قد تكون في الأشفاع ، كما تكون في الأوتار من العشر الأواخر من رمضان ، وإلي هذا أشار شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - " فِيْ تَاسِعَةٍ تَبْقَىَ ، فِيْ سَابِعَةٍ تَبْقَىَ ، فِيْ خَامِسَةٍ تَبْقَىَ "2 في ثالثة تبقى
إذا كان الشهر تسعةً وعشرين ،وإذا كان الشهر ثلاثين ، فيصدق أن تكون في الأوتار ؛ كما يصدق أن تكون في الأشفاع ؛
وعليه فمن أراد أن يصيب ليلة القدرفعليه أن يجتهد في العشر الأواخر كلها ، من غير ما تميز ؛ وإن خصّ الأوتار بمزيد عناية فلا بأس ، لدلالة النصوص على ذلك.
· فضل ليلة القدر
في العشر الأوخر ليلة القدر التي شرفها الله تعالى على غيرها ، ومن أعلى هذا الأمة
بها ؛ وأنعم عليها بجزيل خيرها ، وأشاد الله تعالى بفضلها ، فقال -جل وعلا-
-(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ *)-1
1. نزول القرأن الكريم فيها.
من بركة ليلة القدر أن هذا القرآن المبارك ، أُنزل فيها ، وقد وصفها الله تعالى بأنه يفرق فيها كل أمرٍ حكيم ، من أوامر الله المحكمة ، العظيمة المتقنة ، التي ليس فيها خللٌ ولا نقصٌ ولا باطل-( ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)- 2
-(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ* سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)- 3القدر بمعني الشرف والتعظيم ، أو بمعني التقدير والقضاء ،
2. فصل الأقدار من اللوح المحفوظ إلى الكتبة ..
لأن ليلة القدر يفصل فيها من اللوح المحفوظ إلي الكتبة ما هو كائن في امر الله - سبحانه وتعالى - في تلك السنة من الأرزاق والآجال والخيروالشر ؛ من يولد ومن يموت ، من يرفع ومن يخفض ، من يُعَز ومن يُذَل ، من يُعطى ومن يُحرم ،
من يحج ومن يعتمر ؛ إلي غير ذلك من ألوان التقدير ؛ لأن التقدير -كما هو معلوم- تقدير أزليّ كتب الله -تبارك وتعالى- مقادير كل شئ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة -(وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)- 1
والله رب العالمين يجعل نسخة من هذا التقدير الأزلي في ليلة القدر من كل عام ،إلى الكتبة ، وفيها ما هو كائن ، من أمر الله - سبحانه وتعالى - في تلك السنة ، من الأرزاق والآجال ، والخير والشر ، وغير ذلك من كل أمرٍ حكيم من أوامر الله المحكمة المتقنة .
وليلة القدر شريفة عظيمة ، يُقدر الله فيها ما يكون في السنة ، إلى ليلة القدر من العام بعده ، وما يقضيه الله تعالى من أوامره الحكيمة ، وأموره الجليلة .
3. خير من ألف شهر
-(لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)-2 يعني: في الفضل والشرف، وكثر الثواب والأجر ، لذا من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، وفي سورة القدر من فضائل ليلة القدر أن الله أنزل فيها القرآن المجيد ، الذي به هداية البشر ، وسعادتهم في الدنيا والأخرة ، وكذلك ما يدل عيله الإستفهام من التفخيم ، والتعظيم-(وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ)- 3
وكل ما أدراك في القرآن أداره.... وكل ما يدريك لم يدره
لذا قال بعد هذا الإستفهام ، الذي هو للتفخيم والتعظيم والتشويق ،-(وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)- 1فكل وما أدراك في القرآن أداره ؛
وهي خيرٌ من ألف شهر كما قضي بذلك ربنا -جل وعلا- .
4. نزول الملائكة وفيهم جبريل –عليه السلام- ..
والملائكة تتنزل فيها ، وهم لا يتنزلون إلا بالخير ، والبركة والرحمة ، حتى تضيق بهم الأرض ، وهو أحد القولين في معنى القدر ، القدر الشرف ، والقدر الضيق ، قالوا : لأن الأرض تضيق بالملائكة من كثرتهم ، والملائكة لا تتنزل إلا بالخير والبركة ،والرحمة ، وَالرُّوحُ :- وهو جبريل -عليه السلام -
5. عموم السلام على أهل الأرض
ومما يدل على فضلها في سورة القدر أنها سلام -(سَلَامٌ هِيَ )- 2وقد أتي بالجملة معرفة الطرفين ؛ لا بل أنه -جل وعلا- ذكرها هكذا تفخيماً وتعظيماً ، وتكريماًوتشريفا-(سَلَامٌ هِيَ )-3 فدل على كونها سلام لُحْمَةً وسُدى .فهي سلامٌ محض -(سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)-4؛
فهي ساجية صافية ،"طَلْقَةٌ بَلْجَةٌ " كما قال سول الله
إذ هي سلام ، تتنزل فيها الملائكة ، يتنزل فيها من ربنا السلام .. السلام؛ علي أهل الأرض ، حتي يصيروا إلى السلام ، من بعد الضيق والشدة والعناء والكرب ، فتجد الروح منطلقها والقلب مستقره ، لا يدري أحد متى يجد قلبه مستقره ؛
-(سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)-1
لكثرة السلامة فيها من العذاب لماي قوم به العبد من طاعة الله -جل وعلا-
ومما يدل على عظيم قدرها ورفعة شأنها وجليل قدرها أن الله أنزل فيها سورة برأسها ، تُتلي يتعبد لله بتلاوتها ، إلى أن يرفع الله الكتاب المجيد بين يدي الساعة من الصدور والسطور .
· القول الأرجح في ليلة القدر زمنا..
ولا تختص ليلة القدر بليلة معينة في جميع الأعوام ، بل تنتقل ، فتكون في عام ليلة سبع وعشرين مثلا ، وفي عام ليلة خمس وعشرين .. وهكذا ، تبعا لمشيئة الله تعالى وحكمته ؛ ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - " أَلْتَمَسُوْهَا .... فِيْ تَاسِعَةٍ تَبْقَىَ ، فِيْ سَابِعَةٍ تَبْقَىَ ، فِيْ خَامِسَةٍ تَبْقَىَ " 3
قال الحافظ في الفتح: " الأرجح أنها في العشر الأخير ، وأنها تنتقل "
فالأرجح علي حسب دلالات النصوص ،أن ليلة القدر في العشرالأواخر من شهر رمضان ؛ وأنها في أوتار العشر وأنها تنتقل ؛ فليست في ليلة بعينها ؛ فتكون ثابتة في
كل عام ، ولكنها تنتقل كما هو الأرجح .
· الحكمة من إخفاء ليلة القدر ..
وقد أخفي الله تبارك وتعالى عن العباد تحديد ليلة القدر بقطع ، رحمةً بهم ، ليكثر عملهم في طلب ليلة القدر في تلك الليالي الفاضلة ، بالذكر والصلاة ، وبالدعاء والإخبات ، وبالبكاء والإنابة ؛ ليزدادوا من الله قربا ،وليكثر لهم من الله الثواب ،وليُعلم من كان جاد في طلبها حريصا عليها ، ممن كان كسلان متهاونا .
أخفى الله رب العالمين رضاه في طاعته ، فلا تدري بما يرضى عنك مما تتزلف به إليه ، ولا تدري أي ذلك يقبل لديه ، ويعتمد عنده ؛ فأخفى رضاه في طاعته ، كما أخفى سخطه في معصيته .
وقد أخفى الله رب العالمين ساعة الإجابة في يوم الجمعة في ساعاته ، والأرجح أنها الساعة الأخيرة قبل المغرب من يوم الجمعة ، لا يوافقها عبد يسأل الله رب العالمين أمراً من أمور الدنيا والأخرة إلا أتاه الله إياه ؛ وذلك ليحرص الناس على فعل الخيرات ، وبذل النفوس في طاعة الله ، وتفريغ الأوقات لعبادة الله ، فأخفى الله رب العالمين ليلة القدر في العشر الأوخر من رمضان.
قال رسول الله " فَنُسِيْتُهَا 1.. وَعَسَىَ أَنْ يَكُوْنَ خَيْرا لَكُمْ "2
؛أي: لتزدادوا اجتهادا في العبادة والطلب ؛ ولأنكم إذا علمتم تحديدها بقطع في ليلة محددة توفرتم على العبادة في تلك اللية ، ثم كسلتم بعد ذلك وفترتم عن العبادة والذكروكذلك فعل المتقين ، فان النبي الأمين - صلى الله عليه وآله وسلم - مع أن الله -جل وعلا-قد أخبره أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه ،إلا أنه
"كَانَ يَقُوْمُ الْلَّيْلَ حَتَّيَ تَتَوَرَّمقُدَامَاهُ ، حَتَّىَ تَتَفَطَّرُ قَدَمَاهُ2" ؛ فلما رُجِعَ في ذلك قال :"أَفَلَا أَكُوْنُ عَبْدا شَكُوْرا " - صلى الله عليه وآله وسلم -
· خير الدعاء في ليلة القدر..
يُسأل الله -تبارك وتعالى- في ليلة القدر وفي كل حين العفو والمعافاه ، يسأل العبد ربه-جل وعلا- في ليلة القدر العفو والمعافاه ؛ قالت عائشة - رضي الله عنها- كما في الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد في المسند " قُلْتُ يَارَسُوْلَ الْلَّهِ ! أَرَءَيْتَ إِنَّ وَافْقَتُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، مَا أَقُوْلُ فِيْهَا .؟ قَالَ : قُوْلِيْ الْلَّهُمَّ أَنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّيْ"4 .
لو كان هناك طلبٌ هو أعلى من هذا لذكرالنبي- صلى الله عليه وآله وسلم–
لعائشة - رضي الله تبارك وتعالى عنها-؛ لأن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -
أخبر أنها أحب الناس إليه ؛لما سأله عمرو بن العاص - رضي الله عنه –: " مِنْ أَحَبِّ الْنَّاسِ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : عَائِشَةَ ، قَالَ : فمِنَ الْرِّجَالِ ؟ قَالَ : أَبُوْهَا" 1- رضي الله عنه وعنها وعن الصحابة أجمعين-
فهذا اختيار الحبيب للحبيب ، يختار النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة في الليلة المباركة التي يُقبل فيها الدعاء ، ويُجزل فيها العطاء ، وتُمحي فيها الخطايا ، وتُزال فيها السيئات ، يختار لها رسول الله هذا الدعاء " الْلَّهُمَّ أَنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّيْ" 2
ولو كان هناك ما هو فوقه ، لذكره لها - صلى الله عليه وسلم و رضي الله عنها-
هو العفوّ ، وهو يحب العفو ، فيحب أن يعفو عن عباده ، ويحب من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض ؛ فإذا عفا بعضهم عن بعض ، عاملهم بعفوه ؛
وعفوه أحب إليه من عقوبته .
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:" أَعُوْذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ . وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوْبَتِكَ "3 كما في صحيح مسلم ، عفوه أحب إليه من عقوبته
" وَأَعُوْذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوْبَتِكَ "4:- من نقمتك
قال مُطَرِّف بن عبد الله :" لأن أبيت نائما وأصبح نادما ، أحب إلي من أن أبيت قائما ، وأصبح معجبا "
· الخاتمة..
الإخلاص الإخلاص.!
نسأل الله أن يرزقنا إياه ، هو عقدة المسألة ، وحرفها وقطبها الذي عليه تدور؛ أولئك " قَوْمٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ الْلَّهِ انْتَهَكُوهَا " فلم ينفعهم عملٌ صالح ، وتأمّل في وصف ما يكون ،أَعْمَالٍ كأَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بَيْضَاءَ يَجْعَلَهَا هَبَاءً مَنْثُوْرا " كالقطن المنتوف ، المندوف ؛ يَجْعَلَهَا الله هَبَاءً مَنْثُوْرا " والجبال متماسكة ، صلبة قائمة ، متلاحمة ؛ بذراتها وبصخرها ، وبمكوناتها .
ولكن وا أسفاه..! ما من لُحْمَةً ها هنا تربط ، فأعمالٌ متناكرة ، لا حقيقة لها ، يَجْعَلَهَا الله هَبَاءً مَنْثُوْرا"
" لأن أبيت نائما وأصبح نادما ، أحب إليَّ من أن أبيت قائما ، وأصبح معجبا "؛ لأنه لايقبل مع الإعجاب عمل ، والندم من شروط التوبة ، فإذا استكملت شروطها ، كانت نصوحا مقبولا .
فاحرص في العشر الأواخر علي التصفية ، والتزكية ، على الكتاب والسنة ، ومنهاج النبوة وخلِّف دنياك وراءك ،وأقبل صحيحا ، حتى تصير معافا .
اللهم أنك عفو تحب العفو فاعفوا عنا .
وصلي الله وسم علي نبينا محمد ، وعلى آله وأصحابه أجمعين
تم بحمد الله وقوته
فرغته / أم معاوية السلفية المصرية
السبت 20 من رمضان 1432
__________________
...فاتقوا الله ، وأجملوا في الطلب ،ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله ، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته "
|