وقال بعض السلف: ما عصي الله أحد حتى يغيب عقله، وهذا ظاهر، فإنه لو حضر عقله لحجزه عن المعصية، وهو في قبضة الرب تعالى وتحت قهره، وهو مطلع عليه، وفي داره على بساطه، وملائكته شهود عليه ناظرون إليه، وواعظ القرآن ينهاه، وواعظ الإيمان ينهاه، وواعظ الموت ينهاه، وواعظ النار ينهاه، والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله، والاستخفاف به ذو عقل سليم؟
ومنها: أن المعصية تورث الذل، فإن العز كل العز في طاعة الله، قال تعالى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا ﴾ أي فليطلبها بطاعة الله، فإنه لا يجدها إلا في طاعة الله تعالى، وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك، ولا تذلني بمعصيتك.
ومنها: أنها سبب لهوان العبد على ربه، وسقوطه من عينه.
قال الحسن: هانوا عليه فعصوره، ولو عزوا عليه لعصمهم، وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد، قال تعالى: ﴿ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ﴾.
ومنها: أن العبد لا يزال يرتكب الذوب حتى تهون عليه وتصغر في قلبه، وذلك علامة الهلاك، فإن الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الله.
وقد ذكر البخاري في «صحيحه» عن ابن مسعود، قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل، يخاف أن يقع عليه، وكأن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا، فطار.
ومنها: أن ينسلخ من القلب استقباحها فتصير له عادة، فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له ولا كلامهم فيه، وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التفكه وتمام اللذة حتى يفتخر أحدهم بالمعصية، ويحدث بها من لم يكن يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان، عملت كذا وكذا.
وهذا الضرب من الناس لا يعافون، وتسد عليهم طريق التوبة، وتغلق عنهم أبوابها في الغالب، كما قال النبي (: «كل أمتي معافى إلى المجاهرون»، وإن من الإجهار أن يستر الله على العبد ثم يصبح فيفضح نفسه، ويقول: يا فلان، عملت اليوم كذا وكذا فيهتك نفسه، وقد بات يستره ربه.
قيل للقمان الحكيم: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي إذا رآه الناس مسيئًا.
ومنها: أن المعاصي تزرع أمثالها ويولد بعضها بعضًا، حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض السلف: أن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وأن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.
فالعبد إذا عمل الحسنة قالت أخرى إلى جنبها: اعملني أيضًا، فإذا عملها، قالت الثانية كذلك، وهلم جرا فيتضاعف الربح وتتزايد الحسنات، وكذلك كانت السيئات أيضًا تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة.
فلو عطل المحسن الطاعات لضاقت عليه نفسه وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأحس من نفسه بأنه كالحوت إذا فارق الماء حتى يعاودها فتسكن نفسه وتقر عينه، ولو عطل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة لضاقت عليه نفسه وضاق صدره وأعيت عليه مذاهبه حتى يعاودها، حتى إن كثيرًا من الفساق ليواقع المعصية مع غير لذة يجدها، ولا داعية إليها إلا لما يجد من الألم بمفارقتها.
ولا يزال العبد يعاني الطاعة يألفها ويحبها ويؤثرها حتى يرسل الله سبحانه وتعالى برحمته عليه الملائكة تؤزه إليها أزًا وتحرضه عليه، وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها.
ولا يزال الآخر يألف المعصية ويحبها ويؤثرها حتى يرسل الله إليه الشياطين فتؤزه إليها أزًا، فالأول قوي جند الطاعة بالمدد، فكانوا من أعوانه، والآخر قوي جند المعصية بالمدد، فكانوا أعوانًا عليه.
ومنها: ظلمة يجدها في قلبه حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا أدلهمن فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره، فإن الطاعة نور، والمعصية ظلمة، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالة والأمور المهلكة، وهو لا يشعر كأعمى خرج في ظلمة الليل يمشي وحده وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين، ثم تقوى حتى تعلو الوجه وتصير سواد في الوجه حتى يراه كل أحد.
قال عبدالله بن عباس: إن للحسنة ضياء في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق.
ومنها: أن المعاصي توهن القلب والبدن، أما وهنها للقلب: فأمر ظاهر بل لا تزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية، وأما رهنها للبدن، فإن المؤمن قوته من قلبه، وكلما قوي قلبه قوي بدنه.
وأما الفاجر فإنه وإن كان قوي البدن فهو أضعف شيء عند الحاجة فتخونه قوته أحوج ما يكون إلى نفسه، فتأمل قوة أبدان فارس والروم، وكيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم.
ومنها: أن المعاصي تمحق العمر، إذ أن المعاصي كلها شرور، وليس من شك في أن التبذير مثلاً مضيعة للمال الذي هو عصب الحياة، والبخل يحرم الشخص ما تتطلبه النفس، وهذا وذاك يؤثر على البدن تأثيرًا شديدًا.
ومنها: حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية على الضد من ذلك، فتطفئ ذلك النور.
ومنها أيضًا: شماتة الأعداء، فإن المعاصي كلها أضرار في الدين والدنيا، وهذا مما يفرح العدو ويسيء الصديق، كما أن فيها عقوبتين في الدنيا إذا أضرت بالغير، فلابد أن يثأر لنفسه، كما قيل:
من سالم الناس يسلم من غوائلهم
وعاش وهو قرير العين جذلان
وعقوبة من الله كما قال تعالى:﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾، وعقوبة الآخرة أعظم كما قال سبحانه: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ﴾
ومنها: قسوة الأمراء، فقد ذكر ابن أبي الدنيا من حديث عمار بن يسار، وحذيفة عن النبي ( قال: «إن الله عز وجل إذا أراد بالعباد نقمة أمات الأطفال، وأعقم الأرحام أرحام النساء، فتنزل النقمة، وليس فيهم مرحوم».
وذكر عن مالك بن دينار قال: رأيت في الحكمة، وفي نسخة قرأت يقول الله عز وجل: «أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك، ولكن توبوا إلى أعطفهم عليكم».
وفي «مراسيل الحسن»: إذا أراد الله بقوم خيرًا جعل أمرهم إلى حلمائهم، وفيئهم إلى سمحائهم، وإذا أراد الله بقوم شرًا جعل أمرهم إلى سفهائهم، وفيئهم عند بخلائهم.
ونظر بعض أنبياء بني إسرائيل إلى ما يصنع بهم بختنصر، فقال: بما كسبت أيدينا سلطت علينا من لا يعرفك ولا يرحمنا، ومن آثار الذنوب والمعاصي أنها تحدث في الأرض أنواعًا من الفساد في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن، قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون ﴾
وقوله: ﴿ يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ ﴾ أي يكرر عليه ويغلظ ويخلد فيه، أي يدوم العذاب مهانًا، أي حقيرًا ذليلاً.
وقوله:﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾، قال قتادة: إلَّا مَن تاب من ذنبه وآمن بربه وعمل صالحًا فيما بينه وبين ربه، وقوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ اختلف في كيفية هذا التبديل، وفي زمان كونه.
فعن ابن عباس في الآية قال: هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن السيئات فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات.
وقال عطاء بن أبي رباح: هذا في الدنيا يكون الرجل على صفة قبيحة، ثم يبدله الله بها خيرًا.
وقال سعيد بن جبير: أبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات.
وقال الحسن البصري: أبدلهم الله بالعمل السيئ العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصًا، وأبدلهم بالفجور إحصانًا، وبالكفر إسلامًا، وهذا قول أبي العالية، وقتادة، وجماعة آخرين.
وقيل: إن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا لأنه كلما تذكر ما مضي ندم واسترجع واستغفر فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار، فيوم القيامة وإن وجده مكتوبًا عليه، فإنه لا يضره، وينقلب حسنة في صحيفته، كما ثبتت بذلك السُّنة وصحت به الآثار المروية عن السلف (.
فعن أبي ذر (، قال: قال رسول الله (: «إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار، وآخر أهل الجنة دخولاً إلى الجنة، يؤتى برجل فيقول: نحوًا عنه كبار ذنوبه، وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت يوم كذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا كذا وكذا؟ فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئًا، فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة، فيقول: يا رب، عملت أشياء لا أراها هاهنا»، قال: فضحك رسول الله ( حتى بدت نواجذه، انفرد بإخراجه مسلم.
وعن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله (: «إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أعطني صحيفتك، فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محابها عشر سيئات من صحيفة الشيطان وكتبهن حسنات، فإذا أراد أحدكم أن ينام فليكبر ثلاثًا وثلاثين تكبيرة، ويحمد أربعًا وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثًا وثلاثين فتلك مائة».
وقوله: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ غفورًا لمن تاب وأناب، يغفر الذنوب رحيمًا بعباده حيث دعاهم إلى التوبة بعد مبارزته بالعظائم، ثم وفقهم لها، ثم قبلها منهم.
ثم أخبر تعالى عن عموم رحمته بعباده وأنه من تاب منهم تاب عليه من أي ذنب كان جليلاً أو حقيرًا، كبيرًا أو صغيرًا.
فقال:﴿ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ﴾أي فليعلم أن توبته في غاية الكمال؛ لأنها رجوع من المعصية إلى الطاعة التي هي عين سعادة الإنسان وفلاحه، والتوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين ربه لا تتعلق بآدمي، فلها ثلاثة شروط:
الأول: الإقلاع عن المعصية بأن يفارقها فورًا.
والثاني: الندم يتأسف، كيف صدرت منه ويحزن على ذلك.
والثالث: العزم أن لا يعود إلى المعصية أبدًا.
فإن فقد أحد الشروط الثلاثة لم تصح توبته، وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي، فشروطها أربعة: الثلاثة المتقدمة، وأن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله منها إن كان عاقلاً حليمًا يغلب على الظن أنه إذا جاءه أخوه المسلم نادمًا تائبًا متنصلاً عفا عنه وسامحه وإلا فليستغفر له.
لما ورد عن أنس قال: قال رسول الله (: «إنه من كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته، تقول: اللهم اغفر لنا وله».
وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ أي لا يحضرون الزور القول والفعل المحرم، فلا يشهدون المجالس المشتملة على الأقوال المحرمة أو الأفعال المحرمة، كالخوض في آيات الله بالباطل والجدل.
يتبع إن شاء الله في نفس الآيات...
|